تهور لذيذ حكايات اسما ممصرة

=اهدأ لا تتحرك..لا تتكلم ..حياتك في خطر هكذا همست ريحانه الفتاة المشردة، حين رأت حسام الدمنهوري، المدير التنفيذي لإحدى شركات المقاولات الكبرى في القاهرة، حينما رأته يخرج من فرع البنك القريب من ميدان التحرير واضعًا تحت ذراعه مظروفًا سميكًا. لم يفهم حسام ما يحدث حين دفعته ريحانه فجأة نحو جدار المدخل الحجري، وأحاطته بذراعيها بقوة، ثم دون أن تمنحه فرصة للاعتراض أو الاستيعاب، طبعت قبلة سريعة على شفتيه كأنها زوجته أو حبيبته منذ سنوات…مر المارة من جوارهما بلا اهتمام….وفي اللحظة نفسها، عبر رجلان يرتديان سترات داكنة الرصيف المقابل، وتباطأت خطواتهما وهما يراقبان المشهد ثم واصلا السير…..كانت ريحانه قد رأت الخطر قبل أن يراه هو. نامت لأسابيع قرب البنك، تعرف مواعيد الذروة وحركات الداخلين والخارجين، وتحفظ وجوه أولئك الذين لا يشبهون رجال الأمن ولا العملاء العاديين. كانوا جامعي أموال غير شرعيين، يتعقبون من يسحبون مبالغ كبيرة ثم ينقضّون عليهم في الزحام… كان جسدها يرتجف وهي تتظاهر بالتماسك، بينما شعر حسام بقلبه يخفق بعنف وبتوتر لم يعرف له تفسيرًا. وحين ابتعدت عنه أخيرًا، نظرت إليه بعينين جادتين همست بصوت خفيض: أنا أنقذت حياتك الآن… لو خرجت لوحدك كنت هتتأذى. حاول حسام أن يستعيد رباطة جأشه وأن يبتعد، لكن ريحانه أمسكت بذراعه بسرعة وهمست: ما تمشيش لوحدك… الناس دي بتستنى فرصة تانية. ضد كل ما تعلّمه من حذر وحسابات، صدّقها. سارا معًا نحو ساحة جانبية مزدحمة بالسياح وباعة الأرصفة، اختلطا بالناس كما لو كانا زوجين اعتادا التجوال معًا. هناك، أخبرته بحكايتها. كانت تعمل أمينة خزينة في البنك نفسه قبل سنوات، قبل أن تفقد كل شيء بسبب دينٍ عائلي ورّطها في دوامة لا ترحم. كانت تعرف جيدًا كيف تعمل شبكات التتبع، وكيف تُصنّف الوجوه، وكيف يُختار الضحايا. بدأ حسام يستوعب ما حدث. لأول مرة منذ سنوات طويلة، أدرك أن المال الذي بين يديه لم يكن أخطر ما يملكه، بل حياته نفسها. هذا الإدراك جرّده من تعاليه وأجبره على النظر إلى ريحانه لا كمشرّدة، بل كإنسانة أنقذته حين عجزت خبرته وسلطته عن حمايته. وفي تلك اللحظة، شعرت ريحانه أن ما يحدث بينهما ليس مصادفة عابرة….بلغ التوتر ذروته حين عاد أحد الرجلين ووقف يراقبهما من بعيد. دون ارتباك، أمسكت ريحانه بيد حسام كأنها تفعل ذلك كل يوم، ابتسمت، وجلست بجانبه، وبدأت تتحدث معه عن أشياء عادية كأنهما يتشاركان حياة كاملة لا مجرد لحظة… فهم حسام عندها أن ذلك العناق، وتلك القبلة…. فهم حسام عندها أن ذلك العناق وتلك القبلة لم يكونا اندفاعًا عابرًا ولا حيلة رخيصة كما ظن في اللحظة الأولى بل كانا قرارًا محسوبًا بدقة فتاة اعتادت أن ترى الخطر قبل أن يقع وأن تتحرك في التوقيت الوحيد الذي يسمح بالنجاة وأن الجسد أحيانًا يكون أسرع من العقل حين تكون الحياة هي الثمن جلسا متجاورين على حافة نافورة صغيرة في الساحة الخلفية والناس تمر من حولهما بلا اكتراث بينما كان أحد الرجلين يقف غير بعيد يتظاهر بتفقد هاتفه لكن عينيه لم تفارقا حسام للحظة واحدة وريحانه كانت ترى ذلك بوضوح وكانت تعرف أن الخطر لم ينته بل تغيّر شكله فقط مالت برأسها قليلًا نحو حسام وهمست بصوت ثابت لا يحمل ذرة ارتباك خليك طبيعي لو حسوا إنك متوتر هيتأكدوا إنك هدف سهل خليك كأنك قاعد مع حد بتحبه بجد ابتلع حسام ريقه وشعر لأول مرة أن كل ما تعلمه في قاعات الاجتماعات عن السيطرة والتخطيط لا يساوي شيئًا أمام خبرة الشارع التي تحملها هذه الفتاة التي لا تملك بيتًا ولا وظيفة ولا اسمًا لامعًا لكنها تملك شيئًا لم يمتلكه هو يومًا القدرة على قراءة البشر بدأت تتحدث بصوت مسموع عن أشياء عادية عن الجو عن زحمة التحرير عن السياح الذين يلتقطون الصور بلا خوف وكأن هذا المكان لا يعرف الخطر أبدًا وكانت تضحك أحيانًا ضحكة خفيفة مدروسة بينما يدها ما زالت ممسكة بيده بثبات جعل قلبه يهدأ رغم كل شيء مرت دقائق ثقيلة ثم رأى الرجل يبتعد ببطء ويختفي بين المارة عندها فقط تنفست ريحانه بعمق وسحبت يدها بهدوء لكنها لم تنهض قال حسام بصوت منخفض أنت عرفتي منين إنهم خطر نظرت أمامها ولم تنظر إليه وقالت لأنهم مش بيدوروا على البنك بيدوروا على اللي خارج من البنك ولأن عيونهم ما كانتش على المكان كانت على الناس ولأن المظروف اللي في إيدك كان واضح أكتر من اللازم صمت قليلًا ثم قال وانتي ليه بتعملي كده ليه تحذري الناس ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت عشان أنا كنت واحدة منهم مش بتأذي حد بس كنت شايفة كل حاجة من جوه كنت بعرف مين هيتراقب ومين هيتساب ومين لو وقع مش هيلاقي حد يسأل عنه ثم حكت حكت عن سنوات عملها داخل البنك عن الدقة والانضباط وعن حلمها البسيط إنها تعيش حياة مستقرة بلا خوف ثم عن الدين الذي ورثته فجأة بعد وــ,,ـفاة والدها وعن التهديدات وعن توقيع أوراق لم تقرأها وعن لحظة واحدة انهار فيها كل شيء حين وجدت نفسها متهمة بالتقصير ومسؤولة عن مبلغ لم تلمسه يدها قالت إن الشارع لم يكن خيارًا بل نهاية طريق وإنها في البداية كانت تخاف من كل شيء ثم اعتادت الخوف حتى صار صديقًا يوقظ حواسها وينقذها مرارًا كان حسام يستمع وهو يشعر أن صورة العالم التي عاش بها سنوات تتشقق لم يكن الفقر كما كان يظنه مجرد قلة مال ولم يكن النجاح كما كان يراه ضمانًا للأمان قال بهدوء طب وليه أنا نظرت إليه للمرة الأولى نظرة مباشرة وقالت لأنك كنت ماشي لوحدك ولأنك باين عليك مش من الناس اللي تعرف تتخانق أو تجري ولأنك لو وقعت كانوا هياخدوا الفلوس ويسيبوا لك إصابة تفضل معاك طول عمرك ثم أضافت والأهم لأنك ما كنتش شايف الخطر في تلك اللحظة أدرك حسام حقيقة صادمة أنه رغم كل حراسه واجتماعاته لم يكن يرى إلا ما يريد أن يراه وأن العالم الذي اعتقد أنه محصن عنه كان أقرب إليه من أن يتخيل نهض وقال هعمل ايه دلوقتي قالت مش هتمشي لوحدك وأنا هفضّل معاك لحد ما نوصل مكان آمن وبعد كده كل واحد في طريقه قال دون تفكير لا انا مش همشي من غيرك نظرت إليه بدهشة وقالت ليه قال لأنك لو مشيتي هبقى أنا الهدف التاني ضحكت ضحكة قصيرة وقالت ذكي على الآخر سارا معًا مرة أخرى لكن هذه المرة كانت المسافة بينهما أقرب لم يكن هناك تمثيل فقط بل إحساس غريب بالألفة كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل عند مدخل فندق قريب توقف حسام وقال تقدري تدخلي معايا نشرب حاجة ونستنى شوية ترددت ثم قالت ما بدخلش أماكن زي دي قال بهدوء محدش هنا يعرفك غيري وأنا اللي مسؤول دخلت للمرة الأولى منذ سنوات مكانًا مكيفًا نظيفًا وجلست على مقعد وثير لم تجلس مثله منذ زمن لم تبدُ منبهرة بل متوجسة كأن الراحة نفسها شيء لا يُوثق به جلسا صامتين قليلًا ثم قال حسام فجأة انتي أنقذتيني ليه بجد نظرت إليه طويلًا ثم قالت عشان حد كان لازم يعمل كده معايا زمان وما عملش في الأيام التالية لم يفارق وجهها عقله عاد إلى مكتبه لكنه لم يعد الشخص نفسه صار يرى وجوه الموظفين بطريقة مختلفة صار يتساءل عن القصص التي يحملها كل واحد خلف مظهره المرتب عاد إلى الميدان أكثر من مرة يبحث عنها ووجدها كما هي تجلس في المكان نفسه تراقب وتنتبه وتحذر دون مقابل وفي يوم قال لها أنا عايز أساعدك نظرت إليه بحذر وقالت ما بحبش المساعدة اللي بتيجي ومعاها شروط قال من غير شروط بس فرصة لم تثق بسهولة لكنها قبلت أن تسمع بدأت رحلة مختلفة لم تكن قصة حب سريعة ولا إنقاذًا سهلًا كانت مواجهة طويلة مع الماضي مع الخوف مع عدم الثقة ساعدها على استعادة أوراقها فتح ملفات قديمة كشف تلاعبًا لم يكن ليظهر لولا إصراره وفي كل خطوة كانت ريحانه تتغير قليلًا دون أن تفقد قوتها وفي أحد الأيام وقفت أمام مرآة صغيرة في شقة متواضعة وفرها لها مؤقتًا ونظرت إلى نفسها طويلًا وقالت له أنا مش عايزة أرجع زي ما كنت قال ولا انا عايزك ترجعي ابتسمت للمرة الأولى ابتسامة كاملة بعد شهور وقف حسام مرة أخرى أمام البنك لكن هذه المرة لم يكن وحده كانت ريحانه بجانبه لكن ليست مشردة بل امرأة واقفة بثبات تعرف طريقها نظر إليها وقال فاكرة أول مرة شفتك قالت فاكرة قال كنت فاكر انك خطر قالت وانا كنت فاكرة انك فريسة ضحكا ثم سارا معًا في الزحام لا كزوجين متظاهرين ولا كمنقذين بل كإنسانين التقيا في اللحظة الوحيدة التي كان يمكن أن تغيّر حياتهما معًا
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *