عيد ميلاد حماتي ١
الجزء الاول
تولع الحفلة بيكي وبعيد ميلادك يا حماتي! بقى بعد العمر ده كله جايه تقوليلي قصاد اللي يسوى واللي ميسواش إن ابنك “لقاني في الشارع وعملي قيمة”؟ ده بعينك! أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة! .. حكايات منــال عـلـي
إنتي قاصدة تذليني وتكسري نفسي، بس وحياة ديني و ما أعبد لأقلب التورتة دي على دماغك وعلى فستانك اللي شبه المهرج ده، وأخليها ليلة ما تتنسيش العمر كله!
صوت الزغاريط والضحك وخبط الكوبايات سكت فجأة، أول ما “أم سامح” — الست اللي وشها محمر من كتر الأكل والتحمير — رفعت إيدها وبدأت تزعق وتشرق في الكلام وهي بتنهج متوفره على صفحه روايات واقتباسات
— جرا إيه يا جماعة؟ مالكم قلبتوها ميتم ليه؟ ده عيد ميلادي مش عزا! ارموا النكد ده ورا ضهركم وصبوا الحاجه الساقعة قبل ما تسخن!
الناس بدأت تتحرك بتوتر، ورجعت الشقة الضيقة اللي في بيت قديم في “شبرا” تترج من الهيصة تاني. السفرة كانت “مكبوسة” أطباق: سلطات، ومحاشي مشكلة، وفراخ محمرة، وطبق كفتة ناشف باين عليه مركون من الظهر. الجو كان عبارة عن ميكس خانق من دخان السجاير، وريحة بخور رخيص، وبرفان “فل” فواح مع حر الصيف اللي يخلي الهدوم تلزق على الجسم. حكايات منــال عـلـي
كانت أم سامح قاعدة في صدر السفرة بفستان سواريه مليان ترتر وكريستال بلاستيك، باينة إنها “شعبية” رغم إنها بتحاول تبان شيك تحت نور النجفة اللي كانت بترف وتطفي فوق دماغهم. خدودها كانت بتلمع من الزيت والعرق.
“ندى” كانت قاعدة في الركن، محشورة بين النيش وبين خال سامح اللي ماسك رغيف عيش وعمال يغمس في ملوخية تقيلة وبياكل بصوت عالي. صوابع ندى كانت بتترعش وهي ماسكة كوبابة العصير. كان نفسها تقوم تجري على البلكونة تشم شوية هوا.. تهرب من الكتمة دي ومن الناس دي كلها.
لكن “سامح” جوزها، للمرة التالتة، قرص ركبتها من تحت الترابيزة وهمس لها من تحت ضرسة:
حكايات منــال عـلـي
— “لمي الليلة.. ما تنكديش على أمي في يوم زي ده.”
إيده كانت مبلولة عرق وسابت علامة ملزقة على فستانها. كان قاعد “مرخي” على الكرسي، فاتح زراير قميصه، وريحته سجاير وعرق، وعينيه فيها نظرة استسلام غبية لأمه، ومبسوط إن الليلة “ماشيه” والناس بتاكل.
— يا حبايبي! — أم سامح قامت بالعافية وهي بتسند على الترابيزة — بصوا حواليكم كده.. الناس كلها جاية تباركلي وتقول “الست دي بطلة، شالت شيلة تهد جبال وربت ابنها أحسن تربية”.. وأنا بقولكم: أنا مش بس أم.. أنا ست صاحبة فضل! بصوا لندى كده.. مش بقت زي الهوانم؟
العيون كلها لفت ناحية ندى. واحدة بطلت تمضغ، وواحد ضحك بـ “خبث”. أم إبراهيم الجارة غطت بقها بإيدها عشان تداري ضحكة صفرا. الكل كان مستني “الوصلة” تكمل.
— تصدقوا بالله؟ — كملت أم سامح بتمثيل — أول ما سامح جابها لي البيت من كام سنة، قلت يا لهوي! الواد جايب دي منين؟ الصندل مقطع، والجاكيت دايب ومترقع مية رقعة.. مش كده يا سامح؟
— أيوه يا أمي — ضحك سامح وهو باصص في طبقه ومش قادر يرفع عينه في عين مراته — الجاكيت الكاروهات اللي كان بكم وكم.. فاكرة؟
ندى حست إن الدم غلي في عروقها ووشها بقى جمرة نار. كان نفسها تصرخ، بس لسانها عجز. الجاكيت ده كانت بتلبسه سنين عشان توفر وتجهز نفسها.. كانت فاكرة إنها بتبني بيت دافئ وحياة جديدة.
لكن الحقيقة كانت: “أمي عايزة فلوس”، “أمي عايزة تغير السيراميك”، “أمي ضغطها علي وعايزة دكتور خصوصي”.
— أهو! — رفعت أم سامح صباعها، والمانيكير المتقشر مع الخاتم الذهب “اللازوردي” الضخم بيلمع — إحنا اللي نفضنا عنها التراب! كانت جاية على الحديدة! أول ما شوفت شكلها قلت “يا فتاح يا عليم”.. قلت لابني إنت لاقيها في العتبة يا واد؟
الترابيزة انفجرت ضحك. الناس من كتر الحر والزهق لقوا إن “التريقة” على الغلبانة دي هي اللي هتفرفش القاعدة.
— كفاية يا أم سامح.. — ندى قالتها بصوت واطي بس كان فيه حدة تخوف.
— كفاية إيه يا روح أمك؟! ده بيتي! — زعقت أم سامح وهي بتمسح بوقها بكمها — الناس لازم تعرف أصلي وفضلي عليكي! ده لولا سترك لينا كان زمانك لسه بتلفي كعب داير! — وشاورت بصباعها في وش ندى — ده إنتي المفروض تبوسي إيدي وش وضهر! بصوا لها.. قاعدة نافخة ريشها وعاملة لنا فيها هانم!
— يا أمي خلاص.. — سامح قالها ببرود وهو بيمسح إيده في المنديل.
— إنت تسكت خالص! ما تعرفش يعني إيه تشيل واحدة “ناكرة للجميل” وتلبسها وتأكلها من خيرك! — صرخت أم سامح وهي بتسكت ابنها.
في اللحظة دي، ندى حست إن في خيط جوه قلبها انقطع. صوت حماتها العالي وكلامها اللي زي السم مابقاش يوجع.. بقى يضحك. حست ببرود غريب وراحة.. إن خلاص، مابقاش في حاجة تخسرها.
— قومي! — أمرت أم سامح — قومي وقفي وإنتي بتكلمي ستك! واشكريني قدام المعازيم كلهم!
ندى قامت ببطء.. هدوءها كان يخوف. عينها جت على التورتة الكبيرة اللي غرقانة كريمة وشيكولاتة، التورتة اللي أم سامح صدعتهم وهي بتقول جايباها من “أتيليه” غالي بكام مية جنيه حصري على صفحه روايات واقتباسات
— يلا — ابتسمت أم سامح بمنتجى الشماتة — سمعينا شكرك.. وطي راسك كمان، ده إحنا اللي عملنا منك بني آدمة.
سامح شد طرف فستانها وهو مرعوب: — “ندى، أبوس إيدك عدي الليلة.. مش عايزين فضايح.”
ندى بصت لسامح.. بصت لوشه اللي خذلها في كل موقف، وما شافتش فيه “راجل” بجد يقدر يحميها.
فردت ظهرها، ونظرتها بقت حادة زي الموس.
— أشكرك؟.. — قالتها بنبرة خلت الهرج والمرج يسكت تماماً.
— أيوة أعلى سمعيني! — صرخت أم سامح وهي حاسة بنشوة السيطرة.
ندى خطت خطوة واحدة ناحية التورتة.
الجو اتكهرب حصري على صفحه روايات واقتباسات
الناس سكتت لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت اتسمعت.
وعينين ندى كان فيها لمعة شر، لمعة واحدة مابقتش تفرق معاها الدنيا وما فيها..
يتبع