انا عقيم كاملة

”أسر! اتأخرت ليه يا حبيبي؟ قلقتني عليك.” أسر مسك إيدها بعنف ورمى الروشتة وورقة التحاليل بتاعته قدامها وقال بصوت يرعب: ”العينة دي بتاعة مين يا سمر؟ أنا عمري ما جمدت عينات في حياتي، والمركز اللي زورتي منه الورق أنا أول مرة أسمع عنه.. انطقي، اللي في بطنك ده ابن مين؟!” سمر لونها خطف، والدموع جمدت في عينيها، وفجأة ضحكت ضحكة هستيرية وقالت: ”كنت عارفة إنك هتعرف.. بس اللي أنت مش عارفه يا أسر، إن العينة دي فعلاً تخصك، بس مش من مركز تحاليل.. دي من ‘أخوك’ اللي مات من سنتين!” أسر رجع لورا بصدمة، وهو مش مصدق الـ هي بتقوله.. أخوه التوأم اللي مات في حادثة؟! أسر حس إن الأرض اتهزت تحته، الكلمة كانت تقيلة لدرجة إن عقله رفض يستوعبها. أخوه التوأم “أدهم”؟ أدهم اللي مات في حادثة طريق من سنتين وساب وراه جرح ملموم بالعافية؟ أسر صرخ فيها وهو بيمسك كتافها: ”أدهم؟ أنتِ بتقولي إيه؟ أدهم مات وشبع موت! إزاي توصلي لحاجة زي كده؟ وإزاي تعملي كده من غير ما تقوليلي؟ أنتِ عارفة ده معناه إيه في الدين وفي القانون؟” سمر انهارت على الأرض وهي بتعيط بحرقة وتشهق: ”كنت بموت يا أسر.. كنت بشوف نظرة الحسرة في عينك كل ما تشوف طفل، كنت بشوفك بتبعد عني عشان خايف تظلمني معاك في حياة مفيهاش أطفال.. أنا عرفت بالصدفة إن أدهم كان مجمد عينة قبل ما يموت بفترة لما كان بيتعالج من تأخر الإنجاب في أول جوازه، وروحت المركز وقدرت أقنعهم بطرق كتير وبأوراق مزورة إنك أنت صاحب العينة.. إحنا توأم يا أسر، مفيش حد كان هيعرف الفرق!” أسر قعد على الكرسي وهو حاطط راسه بين إيديه، الغضب والوجع والذهول عملوا فيه حالة من الشلل. ”يعني اللي في بطنك ده.. يبقى ابن أخويا؟ أنتِ عملتي “خلط أنساب” يا سمر! دمرتي كل حاجة عشان وهم!” سمر زحفت لحد رجله وهي بتبكي: ”مش وهم.. ده ابنك أنت كمان، جيناته هي جيناتك، ملامحه هتبقى ملامحك.. أنا عملت كده عشان أحافظ عليك، عشان متمشيش وتسيبني.. كنت خايفة تطلقني عشان تخليني أشوف حياتي مع حد تاني، وأنا مش عايزة غيرك!” المواجهة الكبرى أسر ساب البيت ومشي، قعد 3 أيام تاييه في الشوارع، مش عارف يروح فين. فكر يطلقها، وفكر يبلغ عنها، وفكر ينهي حياته. بس فجأة افتكر كلام الدكتور: “هي كانت بتعمل ده عشان تسعدك”. رجع البيت ووشه شاحب، لقى سمر زي الجثة الهامدة، لا بتاكل ولا بتشرب. بص في عينها وقال ببرود مرعب: ”أنا سألت شيخ وسألت محامي.. اللي عملتيه ده جريمة في حق ربنا وفي حقي. الطفل ده ملوش ذنب، بس أنا مش هقدر أبص في وشه وأنا عارف إنه مش ابني، وأخويا الله يرحمه مش موجود عشان ينسبه ليه.” سمر بصتله برجا: “يعني إيه يا أسر؟ هتطلقني؟” أسر سكت طويلًا وبعدين قال: ”هتنزلي الطفل ده يا سمر. هنقفل الصفحة دي للأبد، ونعيش حياتنا زي ما كنا، أو كل واحد يروح لحاله. أنا مش هقبل أعيش في كذبة طول عمري.” النهاية الصادمة سمر وقفت بذهول وقالت بصوت ميت: ”فات الأوان يا أسر.. أنا روحت للدكتور النهاردة الصبح وعملت سونار.. أنا مش حامل في طفل واحد.. أنا حامل في توأم.. وزي ما قولتلي، ربنا استجاب لدعائنا.. بس بطريقة أنت مش قادر تقبلها.” أسر مقدرش يتحمل، ساب البيت وسافر لشهور، وسمر فضلت لوحدها بتواجه مصيرها. بعد شهور، سمر ولدت ولدين، “أسر” و “أدهم”. لما أسر شاف الصور اللي محمود صاحبه بعتها له للأطفال، قلبه دق بقوة.. الملامح كانت ملامحه بالظبط، ملامح التوأم اللي عاشوا عمرهم مبيفترقوش. في لحظة ضعف وحنين، رجع أسر لسمر، مش عشان يسامحها، لكن لأنه لقى في ولاد أخوه “السر” اللي كان بيدور عليه.. ريحة عيلته اللي كانت هتتمحي. عاشوا مع بعض، بس الفجوة اللي خلقتها الكذبة فضلت موجودة، وكل ما يبص في عين ولاده، بيفتكر إن السعادة أحياناً بتيجي بتمن غالي جداً.. تمن الحقيقة. تمت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *