التلاجة فاضية
“هو ليه مفيش أكل في البيت؟!”
صرخ فيها جوزها بعصبية، كأنها هي اللي خدت الأكل ووزعته على الناس في الشارع.
من سنة بس… لو حد قالها إن تلاجة فاضية ممكن تبقى بداية نهاية جواز، كانت هتضحك من قلبها.
يعني إيه؟ بيت يتهد بسبب كيس مكرونة؟
لكن الحقيقة إن المشاكل الكبيرة عمرها ما بتبدأ كبيرة… بتبدأ بحاجة صغيرة كل يوم، لحد ما القلب نفسه يفرغ.
كانت واقفة في المطبخ بتيشيرت قديم، ماسكة آخر شوية مكرونة في البيت، وقدامها كريم… جوزها اللي بقى كل ما يبصلها تحس إنها متهمة.
— ليه مفيش أكل؟
كررها تاني، بصوت كله لوم واستفزاز.
خدت نفس طويل وحاولت تتمالك نفسها.
— أصل الحمد لله… ما قصرتش مع حد.
ساعدت قرايبك كلهم، وجبت موبايل جديد كمان.
سكت كريم فجأة، ووشه احمر بنفس الطريقة اللي بقت تحفظها… العلامة اللي بتسبق أي خناقة بينهم.
— قصدك إيه بالكلام ده؟
قالها ببرود قاسي.
شبكت إيديها في بعض وردت وهي بتحاول تفضل هادية:
— بقالي 3 شهور بشوف مرتبك بيروح لكل الناس… إلا بيتك.
مرة أختك “ظروفها صعبة”، مرة والدتك محتاجة، مرة ابن خالتك… وكل مرة إحنا اللي بندفع التمن.
كريم اتنهد بضيق.
— أختي فعلًا كانت محتاجة.
ضحكت بسخرية موجوعة.
— آه طبعًا… باين جدًا من صور السبا والمصيف.
فتح بوقه يرد، لكنها كملت قبل ما يقاطعها:
— وبعدها الآيفون الجديد… يمكن عشان الناس تعرف تطلب منك فلوس أسرع.
اتغيرت ملامحه بعصبية.
— إنتِ مكبرة الموضوع.
من غير كلام فتحت التلاجة.
رف واحد فيه نص ليمونة وبرطمان فاضي.
ورف فيه خيارة وحيدة.
والباقي… فراغ.
حتى الفريزر ما كانش فيه غير تلج.
بصتله وقالت بمرارة:
— فعلًا… إحنا عايشين في نعيم.
قفل باب التلاجة بعنف وقال بصوت عالي:
— يعني أنا السبب دلوقتي؟!
بصتله بتعب حقيقي، التعب اللي بيطلع بعد شهور كتمان.
— لا يا كريم… أكيد فيه حد بييجي بالليل يسرق أكلنا ويحطه في بيوت قرايبك.
لف عينه بضيق.
— بلاش طريقتك دي… أنا بحاول أساعد الناس.
قاطعته بسرعة، وعينيها بدأت تلمع:
— وإحنا؟
إمتى تساعد بيتك؟
إمتى تحس إن عندك زوجة واقفة بتتحمل لوحدها؟
سكت.
حتى صوت المية اللي بتنقط من الحنفية كان مسموع وسط التوتر.
هرب بعينه بعيد عنها وقال أخيرًا:
— مش وقته الكلام ده… أنا تعبان.
ابتسمت ابتسامة مكسورة.
— أصل التحويلات البنكية أسهل من المواجهة… صح؟
وفجأة انفجر فيها:
— خلاااص بقى!
وفي اللحظة دي… فهمت إن الموضوع ما بقاش عن الفلوس أصلًا.
في حاجة جواها اتكسرت فعلًا.
حاجة كانت بتحاول تحافظ عليها بقالها سنين.
خدت نفس عميق، وكانت خلاص هتقول كل اللي ساكتة عنه…
لكن جرس الباب ضرب فجأة بعنف.
كريم رمقها بنظرة غاضبة وراح يفتح.
فضلت واقفة مكانها، ولسه ماسكة كيس المكرونة في إيديها.
وفجأة… سمعت صوت ست من بره.
صوت أول ما وصل لأذنها… قلبها وجعها فورًا.
صوت إليف.
أخته… البنت اللي بقاله شهور بيتعامل معاها كأنها ضحية الحياة كلها.
وقفت على الباب بمعطف أحمر شيك، وفي إيديها شنطة من محل غالي، وعلى وشها ابتسامة واثقة زيادة عن اللزوم…
مش شكل واحدة “مطحونة” أبدًا، دي شكل واحدة جاية حفلة.
— كريييم!
قالتها بدلع وهي داخلة.
— تخيل؟ حجزت تذكرة لميلانو! بس عندي طلب صغير… محتاجة كام ألف زيادة عشان الشنط، أصل الفيزا بتاعتي اتمليت.
وفجأة… ضحكت.
ضحكة عالية خرجت مني غصب عني، لدرجة إنهم الاتنين بصوا ناحيتي باستغراب.
— في إيه؟
سأل كريم بتوتر.
مسحت دمعة ضحك نزلت من عيني وقلت:
— مفيش… واضح إن العفريت رجع تاني.
إليف رمشت باستغراب.
— عفريت إيه؟
— عفريت البرغل.
العفريت اللي دايمًا بيخلي “الميزانية متكفيش” بس للبيت… إنما السفر والشوبينج عادي جدًا.
كريم مد إيده على محفظته بشكل تلقائي…
وفي اللحظة دي فهمت إن الموضوع بقى عادة.
هي تطلب… وهو يدفع.
بصيتله للحظة وحسيت إني بشفق عليه.
هو مش إنسان وحش… هو بس مش قادر يفرق بين الطيبة والاستغلال.
قولتها بحزم:
— لأ.
الاتنين بصوا لي كأني قلت مصيبة.
— يعني إيه لأ؟
قالها كريم باستغراب.
— يعني كفاية.
إحنا مش جمعية خيرية يا كريم… إحنا بيت.
ولو لسه مش شايف ده، يبقى لازم نسأل نفسنا سؤال مهم:
مين أولى؟ بيتك… ولا قرايبك اللي طلباتهم عمرها ما بتخلص؟
الصمت نزل تقيل.
إليف كانت واقفة مصدومة، واضح إنها أول مرة حد يرفض لها طلب.
أما كريم… فأنزل المحفظة ببطء.
ولأول مرة من زمان… شفت الحيرة في عينه.
وبعد لحظات قال بهدوء:
— طيب… أنا نازل أجيب عيش.
وخرج… من غير حتى ما يبص لأخته.
الباب اتقفل، وفضلت أنا وإليف لوحدنا في المطبخ.
قالت بصوت واطي:
— إنتِ اتغيرتي… إنتِ بتتعبي كريم أوي.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت:
— لا… أنا بس بطلت أسكت.
بصتلي شوية بضيق، وبعدها خرجت من غير كلمة.
وسابت وراها ريحة برفان غالية… وإحساس بعالم عمري ما كنت جزء منه.
لما كريم رجع، كنت حطيت آخر كيس مكرونة في المياه.
بصيتله وقلت:
— ده آخر اللي عندنا.
هز راسه وسكت.
الدنيا كانت هادية بشكل غريب…
بس الهدوء المرة دي ما كانش خوف، كان مواجهة.
وبعد وقت طويل قال بصوت مكسور:
— إنتِ كان عندك حق.
أنا كنت فاكر إني بساعد الناس… بس واضح إن حتى المساعدة ليها حدود.
بصيتله بهدوء وقلت:
— مساعدة الناس حاجة حلوة…
بس لما الواحد يفضل يدي وهو نفسه ناقص، دي ما تبقاش طيبة… دي تبقى استنزاف.
رفع عينه بصلي، وفيها تعب كبير… لكن كان فيها حاجة جديدة كمان.
فهم.
يمكن أول مرة يفهم فعلًا.
صوت المياه وهي بتغلي كان عالي، والمكرونة نزلت في الحلة بصوت كأنه كل اللي جوانا بيطلع مرة واحدة.
سكتنا شوية…
وبعدين سألني بهدوء:
— ينفع نبدأ من جديد؟
بصيت للمياه… وبعدها بصيتله.
وهزيت راسي:
— ينفع…
بس من غير تحويلات.
ضحك وقتها… ضحكة مرهقة، لكنها حقيقية.
ولأول مرة من زمان، حسيت إن اللي قاعد قدامي مش الرجل اللي بيجري يحل مشاكل الناس كلها…
لكن راجل أخيرًا بدأ يتعلم إزاي ينقذ بيته.
في الليلة دي، فضل قاعد يراجع التحويلات القديمة، ويبعت لقرايبه رسالة واحدة ورا التانية:
“مش هقدر أساعد الفترة دي… لازم أصلح بيتي الأول.”
قفلت باب التلاجة بعدها…
والمرة دي ما حسّتهاش فاضية.
لأن كان فيها حاجة أهم من الأكل بكتير…
كان فيها حدود.
ووضوح.
وراحة أخيرًا.
وأيو
ه… بكرة هروح أجيب برغل.
لأني أخيرًا بقيت عارفة إن البيت ده… هيبقى فيه أكل تاني.
وإن السكوت اللي هيملأه…
مش هيبقى زعل.
هيبقى سلام. ❤️
تمت بحمد الله