مأساة المستشفى٢ – حكايات زهرة

أنا ارتبكت جداً من نظرتها، وما استحملتش الشك اللي في عينيها، فرديت بقلة حيلة وأسلوب اندفاعي يحمي موقفي وموقف جمال: “أنا ذنبي إيه بس يا ناهد؟! اللي حصل ده قدر ومكتوب! ياريت تكبري عقلك وتفكري في اللي جاي.. لما يجي الظابط، قولي له إنها كانت بتلعب ووقعت على حرف الحيطة.. محدش قاصد يقتلها يا بنتي!”
​ناهد بصت لي بصدمة رهيبة.. الصدمة شلت لسانها لثواني، وكأنها مش مصدقة إن الكلام ده طالع من أمها! وقفت على حيلها ببطء، وبصت لي بذهول وقالت بصوت مكسور ومحمل بوجع أعمق من الموت نفسه: “ده كل همك؟! خايفة عليه هو ومهمكيش دم بنتي اللي سال على الأرض؟! أنقذ جوزك على حساب حق بنتي الصغيرة؟!.. أنا من النهاردة معنديش أم!”
​الكلمة نزلت على قلبي قطعت عروقه. الكلمة كانت أتقل وأقسى من الموت نفسه.. “معنديش أم”. حسيت بسكينة اتمشّت في أحشائي، بس الكبرياء والعمى كان لسة مكتفني.
​وفجأة، الباب اتفتح بقوة، ودخل “طليق بنتي” – أبو الطفلة – لما المستشفى كلموه وعرف الخبر. الراجل دخل ووشه شاحب، مش مصدق إن بنته الوحيدة راحت. أول ما شاف جثة بنته الملفوفة على السرير، انهار ووقع على ركبه، وجري على بنتي ناهد وزعق فيها بصرخات مكتومة ودموع قاسية: “عملتي إيه في البنت؟! أنا غلطان إني سبتك تمشي بيها وجبتيها الشوم ده! بنتي راحت بسببك وبسبب استهتارك!”
​لكن ناهد وقتها… ما ردتش عليه ولا حتى بكلمة. كانت مش حاسة بأي حاجة حواليها، قاعدة في الصدمة الرهيبة، عينيها مبلمة في الفراغ، مش بتبكي ولا بتصرخ، كانت حرفياً على وشك إنها تتجنن! هيئتها وصمتها المريب كان يصعب على الكافر.. لدرجة إن طليقها لما شاف منظره ده، نسي غضبه، وقرب منها وهو بيعيط وبيقعد جنبها على الأرض ويحاول يواسيها ويمسك إيدها ويقولها: “خلاص يا ناهد.. خلاص يا حبيبتي، ادعي لها بالرحمة.. ربنا يصبرنا.”
​في اللحظة دي بالذات.. وأنا واقفة متفرج في الزاوية، شايف طليقها بيواسيها بعد كل اللي اتقال، وشايفة بنتي بتنتهي وتضيع قدام عيني، وكأنها شمعة بتسيح وتنطفي..

حسيت بقرف من نفسي معقوله طليقها بيصبرها وانا امها واقفه بعيد الغشاوة بدأت تتقشع عن عيني. الأنا الغبية والخوف الرخيص على جمال بدأوا يختفوا، وظهرت الحقيقة المرة المجرّدة: أنا ضحيت بدم بنتي وحفيدتي عشان راجل أناني ما يسواش!
​المشهد كان بيتقطع في قلبي. حست باللي عملته، حسيت بحجم الكارثة والجريمة اللي شاركت فيها بالسكوت والمساومة. بنتي كانت بتموت بالبطيء قدامي، وأنا السبب الرئيسي في كل نقطة دم ونقطة وجع!
​وفجأة.. دخل ظابط المباحث معاه أمين شرطة، والهدوء ساد المكان. الظابط بصلنا بجدية وقال: “البقاء لله يا جماعة.. إحنا محتاجين نعرف إيه اللي حصل بالضبط عشان تقرير النيابة ومعاينة الطب الشرعي.”
​جمال وقف ورايا بسرعة، وبص لي بنظرة رجاء وخوف، كأنه بيفكرني باتفاقنا الشيطاني.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *