مأساة المستشفى٢ – حكايات زهرة

لمحة نيوز

​لكن في اللحظة دي.. أنا بصيت لبنتي ناهد اللي كانت حاضنة جثة بنتها كأنها قطعة منها، ودموعها نازلة من غير صوت.. وبصيت لجثة الطفلة البريئة اللي طارت روحها بسبب طيش وشهوة ووجود راجل غريب في بيت أبوها.
​الدم يغلي في عروقي، وحسيت بصوت ضميري بيصرخ أخيرًا ويصحيني من الكابوس. بعت كل حاجة، وخوفي طار، وما بقتش شايفة غير بنتي وحق الطفلة اللي راحت.
​رديت على الظابط بصوت جهوري وواضح، والدموع مغرقة وشي: “اللي حصل يا حضرت الظابط إن الراجل ده..” وأشرت بصابعي مباشرة على جمال اللي وشه اصفر وأسود في لحظة “.. الراجل ده هو اللي دفع الطفلة بقسوة وبكل غل أثناء خناقة معانا، ودماغها اتخبطت في الرخام وماتت! هو القاتل!”
​جمال صرخ بذعر: “أنتِ بتقولي إيه يا مريضة؟! أنتِ اتجننتي؟!”
بس الظابط أدى إشارة فورية لأمين الشرطة، وفي ثواني كان الكلبش بيقفل على إيدين جمال وهو بيزعق وبيشتمني، واقتادوه برة الأوضة زي الكلب.
​أنا مشيت بخطوات مكسورة، ووقعت على ركبي جنب ناهد على الأرض.. قربت منها وأنا بكي بدموع العجز والندم، وحضنتها هي وبنتها الميتة مع بعض.. أخدتهم في حضني بقوة، ودموعي بتنزل على وش بنتي وعلى دراع الطفلة الصافية.
​كنت ببوس رأس بنتي وبقول لها بصوت مكسور: “سامحيني يا ناهد.. سامحيني يا بنتي، أنا السبب.. أنا اللي عمتني الدنيا.. سامحيني يا حبيبتي.”
​بس للأسف.. ناهد ما تحركتش، ولا ردت عليا، ولا حتى بصلت لي. كانت نظرتها متثبتة في السقف، وجسمها بارد كأنه ميت هي كمان. حضنتها بكاءً وندماً، بس كان خلاص… الحضن جه بعد فوات الأوان. خسرت حفيدتي، وخسرت بنتي، وخسرت نفسي.. والبيت اللي حاربت عشان أملأه بالدفء، بقى أقسى وأبرد من المقابر.
وبعد اليوم الأسود ده، الدنيا اسودت أكتر، والعمر وقف بيا عند لحظة خروجي من المستشفى. جمال أخد جزاءه واتحكم عليه بالسجن، بس السجن الحقيقي هو اللي أنا حبت نفسي جواه… سجن الندم والذنب اللي بياكل في قلبي كل ثانية.
​ناهد بنتي… من لحظة ما سحبوا جثة بنتها من بين إيديها، عقلتها وقفت، ومبقيتش تنطق ولا كلمة. الصدمة كانت أكبر من قدرة استيعابها، ودخلت في حالة ذهول وتجمد نفسي تام. الدكاترة قالوا إنها صدمة عصيبة حادة أدت لذهان واكتئاب جسيم، وما كانش قدامنا غير إننا ننقلها لمستشفى الصحة النفسية والعصبية عشان تكون تحت الرعاية على مدار 24 ساعة.
​بقالي شهور طويلة على الحال ده.. حياتي اتحولت لطقس يومي مرير. أصحى الصبح على السكوت الموحش اللي مالك الشقة الشوم، نفس الشقة اللي فضّلت راجل غريب فيها على راحة بنتي وبنتها. ألم هدومي وأحضر شنطة صغيرة فيها الأكل اللي ناهد كانت بتحبه، وأمشي بخطوات تقيلة رايحة المستشفى.
​أقعد قصادها في الأوضة البيضا الباردة، هي قاعدة على الكرسي جنب الشباك، بتبص في الفراغ ويديها ملمومة على صدرها كأنها لسة شايلة بنتها. عينيها فاضية، مش بتترمِش، ولا بتسجل وجودي أصلاً. أقرب منها، أحط إيدي على دراعها، وأتحايل عليها تأكل لقمة واحدة، بس هي ولا هنا… حيطة سد، لا بتصرخ ولا بتعيط ولا بتتكلم.
​كل يوم بقعد تحت رجليها على الأرض، أبوس إيديها ورجليها وأبكي بدموع تحرق وشي وأولها: “ردي عليا يا ناهد.. شتميني، اضربيني، اخنقيني بإيدك بس انطقي! قوليلي أي حاجة يا بنتي، بلاش العذاب ده!”… بس السكوت بيكون هو الرد الوحيد. السكوت اللي بيقطع في قلبي زي المشرط.
​أرجع بيتي بالليل، أقعد في الصالة اللي شهدت الجريمة، وألعن نفسي وألعن الساعة اللي فكرت فيها في جواد أو جربت أهرب بيها من الوحدة. ألعن اليوم اللي اتجوزت فيه جمال، واليوم اللي صدقت فيه إن راجل غريب ممكن يعوضني أو يملى عليا دنيتي. يا رتني فضلت وحيدة، يا رتني قفلت الباب عليا وعشت على ذكرياتي، ولا إني أكون السبب في قتل حفيدتي وضياع بنتي بالمنظر ده!
​أنا خسرت كل حاجة… خسرت أمومتي، وخسرت عفتي وصنت بيتي، وخسرت بنتي الوحيدة اللي بقت جسد بلا روح عايش بين حيطان مستشفى المجانين. كل ليلة بمر فيها على أوضتها الفاضية في الشقة، بمسك لعبتها وصورتها وأبكي لحد ما عيني تعمى، وأتمنى لو الموت يجي ياخدني ويخلصني من نار الذنب دي… بس حتى الموت مش راضي يريحني، وسايبني عايشة في جحيم الدنيا، أصحى كل يوم عشان أزور بنتي في المستشفى، وأشوف بعيني ثمن أنانيتي وغبائي اللي هد حياتنا كلها

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *