كيس اندومي
كيس إندومي
لما أهلي سألوني: “إنتي اتطلقتي ليه بعد 3 شهور بس من جوازك؟” كان ده ردي…
بسبب كيس إندومي.
ده كان اليوم اللي طلبت من جوزي يجيبلي كيس إندومي وهو راجع بالليل، عشان كنت جعانة، والأكل كله كان تحت عند حماتي وهي قافلة عليه، ومفيش أي حاجة في شقتي أعملها تسد جوعي. اتكسفت أنزل أقولها إني جعانة.
جوزي كان متعود يرجع من شغله متأخر، فاتصلت بيه وقلتله يجيبلي معاه كيس إندومي أعمله في شقتي بشوية مية مغلية وآكله.
أول ما رجع، كانت حماتي لسه صاحية، ونادت عليه قبل ما يطلع الشقة عندي.
شافت في إيده كيس أسود صغير، وقالت بسخرية: جايب إيه في إيدك يا حبيب أمك؟
قالها: دي منار جعانة يا أمي، وجبتلها معايا كيس إندومي تاكله.
قامت وهي بتزعق بأعلى صوتها: جعانة إيه! هي البت دي مبتشبعش أبدًا؟! وتخليك تجيبلها حاجة وإنت جاي ليه؟ هو أنا كنت حرماها من حاجة؟
حاول يهديها وقال: معلش يا أمي، وبعدين ده كيس إندومي بعشرة جنيه، مش مستاهل يعني.
وقفت أمه قصاده بعصبية وقالت: وهي العشرة جنيه قليلة؟!
وبعدين وقفت تنادي عليا بأعلى صوتها: إنتِ يا ست الستات اللي فوق… انزليلي هنا.
نزلت بسرعة وأنا مرعوبة من صوتها العالي.
حطت إيديها في وسطها وقالت: لو فاكرة إنك هتعيشي هنا على مزاجك تبقي غلطانة. البيت ده ليه أصول وقواعد، واللي عايز ياكل يقول، مش يبعت ابني يشتريله أكل مخصوص!
نزلت راسي وقلت بهدوء: والله يا طنط أنا ما كنتش عايزة أضايق حضرتك، بس كنت جعانة واتكسفت أنزل.
ضحكت بسخرية وقالت: اتكسفتي تنزلي تاكلي من البيت، وما اتكسفتيش تكلفي ابني مصاريف زيادة؟
بصيت لجوزي مستنية منه كلمة تدافع عني، لكنه كان واقف ساكت، لا بيتكلم ولا حتى بيبصلي.
وقتها حسيت إن الإهانة وجعتني أكتر من الجوع نفسه.
طلعت شقتي وأنا حابسة دموعي، وبعد شوية لقيته داخل.
قلتله: إنت ساكت ليه؟ مش شايف أمك بتكلمني إزاي؟
رد ببرود: معلش يا منار، إنتِ عارفة طبع أمي.
يعني أسكت على الإهانة؟
عديها وخلاص.
من يومها بدأت أفهم إن حياتي في بيت العيلة مش هتبقى سهلة.
كل حاجة كانت لازم تعدي على حماتي.
الأكل… بإيدها.
المصاريف… بإيدها.
حتى الغسيل كانت بتفتش فيه وتعلق على هدومي.
لو اشتريت حاجة لنفسي تقول: فلوس ابني بتتصرف على الفاضي.
ولو خرجت مع جوزي ساعة تقول: من يوم ما اتجوزها وهو اتغير.
أما جوزي فكان دايمًا جملته المفضلة: استحملي عشان خاطري.
استحملي…
استحملي…
استحملي…
لحد ما بقيت حاسة إني خدامة مش زوجة.
في مرة تعبت جدًا.
كنت واقفة في المطبخ وبعدين وقعت على الأرض.
صحيت لقيت حماتي بتقول: كل ده عشان تهربي من شغل البيت!
حتى مرضي ما سلمش من كلامها.
كنت مستنية جوزي يزعق لها أو حتى يقولها كلمة، لكنه قال: قومي يا منار، متكبريش الموضوع.
ليالي كتير كنت بنام وأنا بعيط.
أفتكر نفسي قبل الجواز… البنت اللي كانت مليانة أحلام وضحك.
وفجأة بقيت واحدة خايفة تفتح التلاجة أو تاكل لقمة من غير إذن.
بعد شهرين كمان حصلت المصيبة اللي غيرت كل حاجة..
كنت راجعة من عند أمي، وجايبة معايا شوية أكل هي عملاهولي.
أول ما حماتي شافت الأكياس قالت بغضب:
وإيه اللي جايباه ده؟
قلت:
ماما عاملالي أكل.
قالت:
يعني أكل البيت مش عاجبك؟
ومسكت الأكياس ورمتها في الزبالة قدامي.
وقفت مصدومة.
حسيت ساعتها إن قلبي اتكسر.
بكيت بحرقة، وطلعت شقتي.
لما جوزي رجع حكيتله.
كنت متأكدة إنه هيغضب المرة دي.
لكن كانت الصدمة لما قال:
أكيد أمي عندها سبب.
بصيتله وأنا مش مصدقة.
سبب إيه؟! رمت أكل أمي في الزبالة!
خلاص يا منار، مش مستاهلة خناقة.
في اللحظة دي عرفت الحقيقة.
مشكلتي ما كانتش مع حماتي.
مشكلتي كانت مع راجل اختار يرضي أمه حتى لو على حساب كرامة مراته.
مرت أيام قليلة، واتخانقت حماتي معايا تاني بسبب حاجات تافهة.
زعقتلي قدام الناس، واتهمتني إني خرابة بيوت وطماعة.
بصيت لجوزي للمرة الأخيرة.
كان واقف ساكت كعادته.
وقتها حسيت إن جوايا حاجة ماتت.
طلعت شقتي، ولميت هدومي.
ولأول مرة من يوم جوازي، نمت مرتاحة.
لأني كنت أخدت القرار.
تاني يوم روحت بيت أهلي.
بعدها بأسابيع بدأت إجراءات الطلاق.
الناس كلها كانت مستغربة.
إزاي تسيبي بيتك بعد 3 شهور؟
عشان كيس إندومي؟
وكنت دايمًا أبتسم وأقول:
لا… مش بسبب كيس إندومي.
بسبب الإهانة اللي بدأت من كيس إندومي وما انتهتش.
بسبب الجوع للحنية والاحترام.
بسبب راجل ساب مراته تتكسر كل يوم وسكت.
الكيس كان مجرد بداية الحكاية…
أما الطلاق، فكان نتيجة ألف موقف بعده خلاني أفهم إن البيت اللي مفيهوش احترام، عمره ما يبقى بيت.
عدى على طلاقي شهور طويلة.
في الأول كنت مكسورة.
كل يوم أصحى وأسأل نفسي:
“هو أنا فعلًا فشلت؟”
خصوصًا لما كنت أسمع كلام الناس.
واحدة تقول:
لو كنتِ استحملتي شوية كان جوازك كمل.
وواحدة تانية تقول:
البنات زمان كانوا بيستحملوا أكتر من كده.
وحده تالتة تبصلي بنظرة شفقة كأني ارتكبت جريمة.
كنت كل ليلة أراجع كل اللي حصل.
وأرجع لنفس النتيجة…
الست ممكن تستحمل الفقر.
وممكن تستحمل التعب.
لكن صعب تستحمل كسر الكرامة كل يوم.
بدأت أدور على شغل عشان أشغل نفسي.
وبعد شهور من البحث اشتغلت موظفة استقبال في شركة صغيرة.
المرتب كان بسيط جدًا.
لكن أول مرتب قبضته حسيت إني رجعت أقف على رجلي من جديد.
اشتريت هدية لأمي.
وجبت حاجة بسيطة لأبويا.
ويومها شفت الفرحة في عيونهم.
وحسيت إني لسه قادرة أبدأ من أول وجديد.
ومع الوقت بقيت أحسن.
رجعت أضحك.
ورجعت أهتم بنفسي.
ورجعت منار اللي كانت ضايعة وسط الدموع والخوف.
وفي يوم عادي جدًا…
كنت قاعدة في الشركة بخلص شغلي.
ودخل راجل في أواخر التلاتينات.
كان جاي يقابل المدير.
هادي جدًا.
وملامحه مريحة.
أول ما دخل سلم على كل الموجودين باحترام.
حتى عامل البوفيه سلم عليه وشكره لما قدم له القهوة.
لفت نظري أسلوبه.
مش شكله.
ولا لبسه.
لكن احترامه.
بعدها بقى ييجي الشركة كتير بحكم الشغل.
واحدة واحدة بقينا بنتكلم.
كلام عادي جدًا.
عن الشغل.
عن الحياة.
عن الكتب.
وعن الأحلام اللي اتأجلت.
وكان اسمه عمر.
أول مرة عرف إني مطلقة ما اتغيرش.
ما بصليش بنظرة شفقة.
وما سألش أسئلة مستفزة.
كل اللي قاله:
أكيد ربنا شايلك الخير.
الكلمة كانت بسيطة.
لكن دخلت قلبي بشكل غريب.
مرت شهور.
وفي يوم طلب يقابل أهلي.
لما قال إنه عايز يتقدملي اتوترت جدًا.
الخوف رجع تاني.
ذكريات الجواز الأول كانت لسه بتوجع.
قلتله بصراحة:
أنا خايفة.
ابتسم وقال:
وأنا مش مستعجلك.
خدي وقتك كله.
أنا مش جاي أخطف قرار.
أنا جاي أبني بيت.
ولأول مرة حسيت إن فيه حد بيسمعني فعلًا.
بعد فترة وافقت.
وتمت الخطوبة.
ومن أول يوم كان مختلف.
لو حصل خلاف كان بيتكلم.
لو زعلت كان يفهم السبب.
لو تعبت كان أول واحد يقف جنبي.
ولما اتجوزنا…
أصر إن يكون لنا بيت مستقل.
وقال جملة عمري ما نسيتها:
الأهل فوق الراس.
بس الحياة الزوجية لازم يبقى ليها باب يتقفل على أصحابها.
بعد الجواز بسنة…
كنت قاعدة على السفرة معاه.
وأمامنا بنتنا الصغيرة اللي كانت بتحاول تاكل لوحدها.
وفجأة سرحت.
افتكرت ليلة كيس الإندومي.
وافتكرت دموعي.
وخوفي.
وجوعي.
وساعات الإهانة الطويلة.
لاحظ شرودي.
وقال:
مالك؟
ابتسمت وأنا ببص لبنتنا.
وقلت:
ولا حاجة… افتكرت قد إيه ربنا كريم.
مسك إيدي وقال:
الحمد لله.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا…
إن ربنا أحيانًا بيقفل باب وإنتِ بتعيطي عليه.
مش لأنه عايز يوجعك…
لكن لأنه شايف الباب اللي بعده.
الباب اللي فيه راحة.
واحترام.
وأمان.
والحياة اللي تستحقيها.
أما بيت العيلة اللي خرجت منه مكسورة…
فكان مجرد فصل مؤلم.
لكن عمره ما كان نهاية الحكاية. ❤️