باعت آخر هاتف معها- محمد نور

باعت آخر هاتف معها لتشتري الدواء لابنها… ولكن الرجل الذي تبعها اكتشف أن هناك من كان ينتظر بالفعل ليردّها عن كل ما تملك

الجزء الأول

وضعت المرأة هاتفاً مهشماً على منصة البيع في محل الرهونات الذي أمتلكه، وقبلت بستمائة درهم دون أي مفاوضة.

كان ذلك أول شيء جعلني أدقق النظر فيها.

فالناس يفاصلون دائماً حين يبيعون شيئاً هم بأشد الحاجة إليه.

أما هي، فلا.

اكتفت بالصؤال:

— هل يمكنك إعطائي المبلغ الآن؟

فحص الموظف الجهاز.

شاشة مكسورة.

بطارية تالفة.

غطاء أزرق باهت.

— ستمائة درهم.

أغمضت المرأة عينها.

لثانية واحدة ظننت أنها سترفض.

ثم مدت يدها:

— موافقة.

أنا اسمي سليم العطار.

في الثامنة والثلاثين من عمري، وأدير من العقارات والمطاعم والمخازن وشركات النقل في العاصمة ما يجعل أغلب الناس يتفادون السؤال عن مصدر أي منها بالتحديد.

لم يكن محل الرهونات هذا ذا أهمية.

كان مجرد عقار من بين عقارات عدة تتبع لشركة تملكها شركة أخرى، تنتهي ملكيتها بأسلوب أو بآخر تحت توقيعي.

وجدت هناك لأن السقف كان يسرّب الماء، والمدير يماطلني منذ ثلاثة أشهر بشأن الإصلاحات.

ثم رأيتها.

مريم الخالد.

هكذا كُتب في النموذج.

واحد وثلاثون عاماً.

معطف أرقّ من أن يقي برد يناير.

شعر يبلله المطر.

ويد ترتجف وهي تعدّ الأوراق النقدية.

سألها الموظف:

— هل من مشكلة؟

تأخرت في الإجابة، ثم قالت:

— ابني بحاجة إلى بخاخ للربو.

لم تزد على ذلك.

لم تطلب المساعدة.

لم تبكِ.

ولم تشتكِ غبن السعر.

جمعت المال وأسرعت خارجة.

كان جرس الباب لا يزال يهتز حين مدجت يدي:

— أعطني الإيصال.

نظر إلي الموظف:

— سيد سليم…

— الإيصال.

نناولني إياه. وتحد توقيعها كانت هناك ملاحظة:

بيع عاجل. دواء أطفال.

— بكم ستبيع هذا الهاتف؟

— ربما بتسعمائة درهم.

— أعطيتها ستمائة فقط.

— هذه هي طبيعة العمل هنا.

نظرت إليه:

— من اليوم، ستتغير طبيعة العمل.

أخرجت بطاقتي:

— سجّل الهاتف على أنني أنا من اشتراه، وبالسعر الكامل للجهاز وهو جديد.

فتح الموظف فمه ذهولاً:

— يا سيد…

— وفي المرة القادمة التي يدخل فيها أحد يبيع أخر ما يملك لطارئ صحي، تتصل بي قبل أن تعرض عليه هذا الفتات.

أخذت الهاتف.

أضاءت الشاشة لثانية واحدة قبل أن تطفأ، وتجلت عليها صورة:

مريم تجثو بجانب طفل في السادسة من عمره تقريباً.

كعكة بسيطة، وشمعة تحمل الرقم ستة.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *