باعت آخر هاتف معها- محمد نور

قالت لي: “إن أردت مساعدتها بحق، فدع الق\ضية تسير بنقاء”.

أجبتها: “أنا أعرف كيف أعمل بنقاء”.

فردت: “هذا بالضبط ما يقوله من لا يعرف العمل النقي!”.

عادت مريم إلى شقتها القديمة فقط لجمع أغراضها، بعد أن أوقفت مي إجراءات الإخلاء مؤقتاً لوجود ثغرات قانونية. لا يعني هذا إلغاء الإيجار، بل يمنع المالك من رمي حاجياتها في الشارع.

عرضتُ أن أدفع الإيجار، لكن مريم رفضت:

— سيخرجونك في النهاية.

— سأجد حلاً.

— لديك طفل يعاني من الربو الحاد!

— وسأظل أمه.

— لم أقل عكس ذلك.

— إذن توقف عن التصرف وكأنني لا أملك حق القرار!

جعلتني جملتها أتوقف ملياً:

— ماذا تريدين إذن؟

— مهلة.

— كم؟

— أسبوعاً واحداً.

— ولماذا؟

— لأجد غرفة وعملاً وأحل مسألة التأمين.

— هذا لن يتم في أسبوع!

— إذن سأكون أنا من فشل.

— هذا سخف.

— لا… بل هذا حقي.

أدركتُ حينها أمراً؛ لطالما سميتُ مصادرة خيارات الآخرين “حماية”. إن كان أحدهم مديناً كنت أدفع عنه وأقرر عنه، وإن كان يواجه خطراً أبعده بنفسي. لكن مريم لم تكن تريد أن تعامل كأداة يتم تحريكها.

فاتفقنا: سأدفع تكلفة سبع ليالٍ في فندق بسيط قريب من المستشفى فقط لا غير. ولم تقبل إلا بعد أن جعلتني أوقع ورقة تثبت أن المبلغ ليس قرضاً!

قلت لها:

— هذا أمر مضحك.

— أنت تعرف رجالاً خطرين، وأنا أعرف كيف تكون الفواتير!

ألتقيت بيوسف في اليوم الثاني. كان جالساً على سرير الفندق وموصولاً بجهاز التبخير.

سألني:

— هل أنت من اشتريت لي الدواء؟

نظرت مريم إلينا، فقلت له:

— نعم.

— أمي تقول إننا يجب ألا نكون مدينين لأحد.

— أمك أصلح الناس رأياً.

— إذن لماذا دفعت؟

تفكرتُ قليلاً ثم قلت:

— لأن التنفس لا ينبغي أن يكون مكافأة لمن يملك المال فقط.

تقبل يوسف الإجابة وسأل:

— هل أنت غني؟

— جداً.

— أكثر من باتمان؟

— باتمان غني بشكل مفرط.

— إذن لا.

— لا.

ضحك، ثم سأل ببرائه:

— هل أنت رجل سيئ؟

تجمّدت مريم في مكانها، وكذلك أنا.

— أحياناً تفوتني التصرفات الحسنة وأفعل أشياء سيئة.

— أمي تقول إن الأشرار لا يبدون دائماً أشراراً.

— أمك محقة مجدداً.

نظر يوسف إلى أمه وقال:

— هي دائماً على حق!

— يبدو ذلك مرهقاً!

ضحك الصبي، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها أنفاسه صافية دون خرير.

لا أعلم لماذا اهتممتُ لأمره كل هذا الاهتمام… ربما لأن أخي الأصغر توفي وأنا في الحادية عشرة من عمري بمرض الصدر في الشتاء، إذ لم تكن أمي تملك تأميناً. لم أكن أتحدث عن ذلك قط، ليس لأنه سر، بل لأن هناك أموراً يتعلم المرء إغلاق الباب عليها. لكن مريم جعلتني أفتح ذلك الباب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *