باعت آخر هاتف معها- محمد نور
حين وصلتُ كانت غاضبة:
— لا أريد حراساً!
— لم آخذ رأيكِ.
تغيرت ملامحها، فتوقفتُ قائلاً:
— آسف… أخطأتُ في التعبير. هل تقبلين بحارس واحد خارج الشقة؟
— واحد فقط.
كان التفاوض معها صعباً لكنه ينتهي دائماً بنتيجة.
تطورت الق\ضية؛ حاول كامل ناصر (مدير الحسابات) الهرب، لكن الشرطة ألقت القبض عليه. وافق على التعاون، وكشفت شهادته أن الديون المزورة كانت شبكة تستغل هويات الفئات المستضعفة لتغطية تحويلات ومطالبات تأمين. وتوقيع مريم تم نسخه من وثيقة مستشفى قديمة استخدمها راشد قبل سنوات.
كان الهدف إرغام مريم على توقيع تسوية تتنازل فيها عن أي مطالبات مستقبليّة تخص زوجها، وهو المستند الذي كان بدر يحمله لها يوم الإخلاء.
قالت مريم بصوت خافت:
— لو أعطوني إياه في ذلك اليوم لكونتُ قد وقّعت على أي شيء…
كان هذا هو أشد ما في الأمر قسوة؛ لم يكونوا بحاجة لخدعها بدقة، بل فقط لإرهاقها حتى تستسلم.
اتصل بي أنور المرشدي بعد شهر:
— سليم… أنت تتدخل في أمر لا يعنيك.
— والدين المزور لم يكن يعني مريم أيضاً.
— أنت لا تعرف القصة كاملة، راشد الخالد سرق أوراقاً.
— بل صور ما رآه في عمله، وتوفي بعد ذلك بوقت قصير.
— احذر يا سليم.
— هل هذا تهديد؟
— نصيحة.
— نصيحة سيئة.
تنهد المرشدي:
— المرأة لا تعني شيئاً!
فغضبتُ بحق:
— هذا بالضبط ما يظنه أمثالك دائماً.
— لا تجعل منها ق\ضية رأي عام.
— لن أخرج منها.
أغلقت الخط.
مرت الأيام وتطورت علاقتنا… انتقلنا من الحديث عن الق\ضية إلى أحاديث شخصية ببطء؛ عن القهوة، ويوسف، وعملها القديم، وأمي، وأخي المتوفى.
أخبرتها عن أخي “سعود” في إحدى الليالي:
— توفي وهو في الحادية عشرة… تأخرت أمي في أخذه للمستشفى يومين لعدم وجود المال.
خفضت مريم بصرها:
— لهذا السبب دفعت في الصيدلية…
— لم أفكر بالأمر وقتها، لكن الجسد يتذكر قبل العقل.
أخذت الق\ضية مجراها القانوني؛ أُغلقت شركة “الميناء”، وأحيل مسؤولوها للمحاكمة بتهم التزوير والاحتيال، وتلقى المرشدي استدعاءات رسمية. أما حادث وفاة راشد ففتح فيه تحقيق مستقل بعد ثبوت وجود تلاعب في مكابح سيارته قبل الحادث.
صُرف مبلغ التأمين أخيراً (250,000 درهم)، فأتت مريم وسددت لي مبلغ القرض كاملاً.
أخذتُ الشيك ولم أصرّفه لمدة أسبوع حتى اتصلت بي غاضبة: “صرفه يا سليم!”، فصرفته لأن الأمر كان يعني لها الكرامة والاستقلالية.