دولاب الاسرار – محمد نور

الستارة لما تتكشف… واللي اتكسر يتصلّح

 

في صباح اليوم اللي قرر فيه الحاج سليمان الفولي ينادي عمال الروبابيكيا عشان يرموا دولاب مراته الله يرحمها في الشارع، ماكانش يعرف إنه بيرمي آخر حاجة كانت ممكن ترجّع له بنته.

 

حوش البيت الكبير في حي الجمالية كان مليان صناديق مفتوحة، وكراسي مكسورة، وقلال فخار مغطية بالتراب. ابنه الكبير جاسر كان واقف يوزّع الأوامر على العمال، والقرايب بينقّوا كل حاجة ليها تمن قبل ما الباقي يترمي.

 

خبط الحاج سليمان بعكازه على دولاب قديم من خشب الأرو وقال بضيق:

— «والدولاب ده كمان… ارموه. واخد مكان على الفاضي، وريحة الرطوبة طالعة منه.»

 

كان ده دولاب المرحومة أمينة… زوجته اللي ماتت من تمان سنين.

 

طول عمرها كانت تلمّعه كل يوم جمعة، وتحط بين هدومه صرر لافندر. وكانت تقول إن العصافير والمشربيات المحفورة على أبوابه بتفكرها بأول مرة شافت فيها سليمان وسط بستان الزيتون وهم لسه شباب.

 

لكن سليمان ما بقاش يطيق الذكريات… لأنها كانت بتفكره كل يوم بالغلط اللي ارتكبه.

 

في اللحظة دي، وقف قدام البيت طارق وهو بيجر عربية كارو صغيرة. راجل بسيط يلف على البيوت يشتري الأثاث القديم، ويصلحه في ورشته الصغيرة لحد ما يرجع كأنه اتولد من جديد.

 

طارق… كان زوج ياسمين.

 

البنت الوحيدة اللي الحاج سليمان طردها من بيته، وحرمها من اسمه من خمستاشر سنة.

 

ضحك جاسر بصوت عالي وهو شاور عليه:

— «يا فتاح يا عليم… بصوا مين جه! ملك الزبالة بنفسه!»

 

انفجر بعض القرايب في الضحك.

 

أما طارق، فخلع طاقيته وسلم بهدوء:

— «صباح الخير يا حاج.»

 

رد الحاج سليمان وهو يشير إلى الدولاب بعكازه:

— «خده… أنت أصلك بتحب تعيش وسط الكراكيب.»

 

اقترب طارق، ومرر إيده على الخشب. المفصلة السفلية مكسورة، ورجل من رجليه مائلة، والدهان باهت… لكن خشب الأرو نفسه كان ما زال قويًا، وكأن التراب مخفي جماله بس.

 

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— «مش كراكيب يا حاج… كل الحكاية إن محدش اهتم بيه من زمان.»

 

تجهم وجه الحاج سليمان:

— «وجاي أنت تعلمني أعتني بحاجتي؟»

 

رد طارق في هدوء:

— «لا يا حاج… بس اللي ليه أصل، عمره ما بيضيع بسهولة.»

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *