دولاب الاسرار – محمد نور

​عاش طارق وياسمين في بيت صغير بالطين والخرسانة في أطراف الجيزة. خلفوا ولد سموه “عمر”. مرت عليهم أيام كان البيت مفيش فيه ثمن أكلة لحمة، وأيام مطرة الشتا كانوا بيحطوا جادل تحت السقف عشان النقط. بس البيت كان دايماً مليان دفا وحب.

​طارق يرمم، وياسمين اتعلمت تنجد وتنسق الألوان، وعمر كبر بين ريحة النشارة والغري والسيليسيوم.

​وعلى الناحية التانية.. العز بتاع “آل الفولي” ابتدى يتصرمخ!

“جاسر” دخل في تجارات مش بتاعته، وأخد قروض بفوائد خراب من البنك عشان يجيب مكن مستورد. في سنتين اتنين، المحصول باض، والمحاسب فص ملح وذاب بالفلوس، والبنك حجز. المعاصر اتباعت، والأراضي راحت، والدوار الكبير اتقفل بالشمع الأحمر.

​انتهى الحال بالحاج سليمان —اللي كان النظر ضعف في عينيه وبقى مريض— إنه يعيش في أوضة كئيبة تحت السلم ورا دكانة صغيرة، وجاسر بقى يشيل ويدب في الشارع عشان يجيب مصاريف أكلهم.

​لما ياسمين عرفت باللي جرى لأبوها، مقدرتش تنام.

طارق قالها: «أنتي مش مطالبة بتنسي.. واللي عملوه فيكي يخلي أي حد يعذرك.»

ردت وهي بتعيط: «ده أبويا يا طارق.. ورغم كل حاجة، أنا مش قادرة أشوفه بيتهان.»

طارق مسك إيدها وقالها كلمة سر: «التسامح مش معناه إنك نسيتي اللي عمله يا ياسمين.. التسامح معناه إنك مش هتسيبيه يفضل يتحكم في مشاعرك وأنتي بعيدة.»

​تاني يوم، كان “عمر” (الحفيد اللي الحاج ميعرفوش) بيروح للراجل العجوز بالأكل والدوا، ويقوله دي “شنطة بركة” من الجامع. وطارق عمل حاجة أغرب.. بعت لـ “جاسر” وجابه يشتغل معاه في الورشة!

​لما جاسر دخل الورشة وشاف طارق ماسك مقاولات ترميم لأكبر فنادق وجوامع القاهرة، وتحت إيده 20 صنايعي.. الأرض دارت بيه. كان مستني طارق يشمت فيه أو يذله.

بس طارق قاله بكسرة عين حنينة:

— «هنا الكل بيبدأ من الصنفرة يا جاسر.. الشغل شديد بس الأجرتين في ميعادهم.»

— «أنت مش هتقولي كلمة كده ولا كده على اللي عملته فيك؟»

— «أنت فاكر كويس يا جاسر.. مش محتاج أذكرك.»

​الجملة دي قطعت قلب جاسر أكتر من أي قلام كان ممكن ياخده!

​طول الفترة دي، طارق كان بيشتغل على دولاب المرحومة “أمينة” حتة حتة. صلّح العظم، ورجع الأويما، ونضف المفصلات. وهما بيفكوا القرصة الداخلية، “عمر” اكتشف جيب مسحور جوه الخشب!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *