اتصال قلب الموازين- محمد نور
اتصالٌ قلب الموازين
رنّ هاتفي في اللحظة نفسها التي كنت أغادر فيها قاعدة “القوات الجوية”، وما زلت أرتدي زيي العسكري الكحلي الأنيق الذي ارتديته صباحاً لحضور حفل ترقيتي. قضيت ثلاثين عاماً في إدارة وتنظيم العمليات الجوية، وتعلّمت كيف أحافظ على هدوئي ورزانتي عندما تنهار الخطوط ويتطلع الجميع إليّ طلباً للحلول، لكن كل تلك السنوات لم تُعدّني لمواجهة ذلك الصوت النحيل المرتجف… صوت ابنتي.
«أمي، أرجوكِ تعالي وخذيني من هنا…»
ساد صمتٌ مفاجئ، تلاه صوت قدمين تدخلان الغرفة، ثم انقطع الاتصال.
كانت ابنتي “ريم” في الواحدة والثلاثين من عمرها، ومضى على زواجها من “طارق العزّام” ثمانية عشر شهراً. ورغم أنها أصبحت أكثر صمتاً وعزلة في الفترة الأخيرة، إلا أنها ظلت تصر على أن الزواج يحتاج لبعض الوقت للتأقلم، وأن عائلة طارق لها طقوسها وأسلوبها الصارم في الحياة فقط. كنت أريد أن أصدقها، وربما كنت أخدع نفسي أيضاً؛ ففي كل مرة سألتها فيها إن كانت سعيدة، كانت تبتسم بصبر ودقّة كمن يحاول حماية شخص آخر من حقيقة مُرة.
استقبلتني ممرضة في مستشفى “دار الشفاء” أمام غرفة الملاحظة. لم تستطع برودتها المهنية أن تخفي نظرات القلق المطبوعة في عينيها.
«ابنتكِ في حالة مستقرة يا سيادة اللواء “سعاد”، لكنها مصدومة بشدة.»
كانت “ريم” مستلقية تحت غطاء رمادي، وجهها شاحب، ووجنتها متورمة، بينما غطت الكدمات الداكنة ذراعيها. أما فستانها السكري الذي ارتدته لحضور حفل جمعية “العزّام” الخيرية، فكان مُمزقاً عند الكم. لبرهة، لم أرَ أمامي مرممة التحف الفنية الماهرة التي تستطيع إحياء لوحة عمرها قرن ببديهة ويدين ثابتتين؛ بل رأيت طفلتي الصغيرة التي كانت تنتظرني عند النافذة كلما عدت من مهمة عسكرية، تحصي كل سيارة تمر في الشارع.
همست بصوت مكسور: «أمي…»
جلست إلى جوارها واحتضنتها وهي ترتجف. لم أطلب منها تفسيراً فورياً، فبعض الحقائق لا تخرج إلا عندما تجد مساحة من الأمان لتهبط عليها.
لكن ذلك الأمان لم يدُم أكثر من دقيقة.
ظهر “طارق” عند الباب برفقة والدته “الشيخة نورة” وأخته الكبرى “سارة”، وثلاثتهم يرتدون ملابس أنيقة وكأنهم خرجوا للتو من أرقى المآدب. عدّلت نورة عقد اللؤلؤ حول عنقها وقالت بابتسامة متصنعة ومتقنة للغاية: