اتصال قلب الموازين- محمد نور

عندما وصلنا، كانت المياه تغمر الحديقة والدخان يتصاعد من الجناح المشتعل. خلف الملحق، وجد أحد المحققين قفلاً مخفياً تحت حجر سائب، يُفضي إلى درجات أجرّية ضيقة تنزل بنا إلى هواء بارد وراكد.

لم يكن الممر السفلي شبيهاً بالقاعة الاستعراضية التي وصفها “طارق” لريم ليخيفها، بل كان أسوأ من ذلك لكونه مكاناً عملياً وعادياً: أبواب بسيطة، أسِرّة قابلة للطي، خزانة أوراق، مكتب، وأرفف مليئة بصناديق مجهزة بعناية. لم يكن هذا عمل ليلة واحدة من الطيش، بل كان “نظاماً” ممتداً.

داخل الصناديق كانت هناك صور للهويات الرسمية، عقود قروض، صور خاصة، تسجيلات صوتية، وملاحظات بخط اليد عن فتيات اعتبرتهن عائلة العزّام فريسة سهلة لتشويه السمعة. أحد السجلات حوى مبالغ مدفوعة لـ “مصطفى”، وآخر ضم أسماء مسؤولين ومحامين وإعلاميين بجانب “الخدمات” التي قدمتها لهم الجمعية.

في نهاية الممر، سمع أحد الضباط حركة خلف باب غرفة الصيانة المغلق. وعندما فتحناه، وجدنا طفلة “أمينة” ذات العشر سنوات، “سارة الصغيرة”، تلتف بمعطف صوفي ومختبئة بجوار تسخين المياه. كانت خائفة وعطشى لكنها واعية. خبأتها أمينة هناك بعدما أدركت أن عائلة العزّام عرفت بنسخها للملفات، ووعدتها بالعودة، لكنها لم تستطع الوصول إليها قبل مجيء السلطات.

كانت سارة تتمسك بصورة صغيرة تجمعها بأمها.

قالت لي وهي تنظر إليّ: «قالت لي أمي إن السيدة التي ترتدي الزي العسكري ستفهمني وتنقذني.»

جثوت على ركبتي لتكون عيناي بمستوى عينيها: «أمكِ كانت على حق… أنتِ في أمان الآن، وسنبحث عنها ونعيدها إليكِ.»

بعد ساعة واحدة، عثرت الشرطة على “أمينة” في محطة الحافلات شمال المدينة. كانت تختبئ بعد تلقيها تهديدات بأخذ طفلتها منها إن هي تتكلم. وعندما التقت الأم بطفلتها في المستشفى، كانت ريم ترقبهما من باب الغرفة والدموع على وجنتيها. لم يلقِ أحد خطبة، بل احتضنت أمينة طفلتها، وسندت ريم رأسها على كتفي، بينما كانت كل الكلمات تقف عاجزة أمام ذلك المشهد.

خلف الأبواب المغلقة

تم القبض على “مصطفى” في فيلته الساحلية في الصباح التالي. أظهرت السجلات البنكية تدفقات مالية من شركات مرتبطة بجمعية العزّام، بدأت بعد أسابيع قليلة من إعطائه معلومات عن ريم للشيخة نورة. وعند مواجهته بالسجلات والتسجيلات، اعترف بأنه وصف ريم لهم بأنها مستقّلة، وتحظى باحترام مهني، وتعيش بمفردها كثيراً. وزعم أنه “لم يتخيل” كيف ستُستخدم تلك المعلومات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *