اتصال قلب الموازين- محمد نور
لم يمنحني هذا التبرير أي عزاء؛ فالمرء لا يحتاج لفهم النتيجة الكاملة للخيانة كي يكون مسؤولاً عن فتح الباب للمعتدي.
كما جردت الأدلة العاثر عليها تحت الملحق عائلة العزّام من درعهم الأقوى: مظهر الوجاهة والاعتبار الاجتماعي. تقدمت عدة موظفات سابقات بشهاداتهن، واستطاعت الفتيات اللاتي وردت أسماؤهن في الملفات الربط بين تجاربهن لأول مرة. أما المسؤولون الذين كانوا يجيبون على اتصالات نورة فوراً، فبدؤوا بالابتعاد بحذر عن جمعيتها.
طلب “طارق” الإذن بالتحدث مع ريم، معتقداً بوهَم أنه ما زال بإمكانه إقناعها بسحب أقوالها. وافقت ريم على لقائه بحضور المحققين، ليس لأنها تدين له بتفسير، بل لأنها أرادت استعادة صوتها الذي قضى أشهراً يحاول إقناعها بالتشكيك فيه.
جلس قبالتها على طاولة التحقيق. وبدون القصر، والبدلة الفاخرة، وحماية عائلته، بدا صغيراً ومثيراً للشفقة على نحو غير متوقع.
بدأ حديثه قائلاً: «أنتِ تفهمين ما حدث بشكل خاطئ… أمي كانت تحاول حماية العائلة فقط.»
تأملته ريم بهدوء وقالت: «هذا ما تقوله دائماً عندما تقصد “السيطرة”.»
ـ «يمكننا إصلاح هذا الأمر.»
ـ «لا يا طارق… الآخرون هم من يصلحون الآن ما قامت عائلتك بإخفائه. وأنا أعيد بناء ما حاولت أنت سلبَهُ مني.»
نظر طارق اتجاهي، علّه يجد غضباً يستغله ليصنع منه قصة جديدة يكون فيها هو الضحية، لكنني لزمت الصمت.
مدت ريم يدها إلى حقيبتها، ووضعت خاتم زواجها على الطاولة.
قالت له: «ظننتَ أن الهدوء يعني الضعف… ولم تفهم أبداً أن الهدوء قد يعني أيضاً أن الأمر قد انتهى بالكامل.»
ثم وقفت وغادرت القاعة بجانبي.
صوت مفتاحها الخاص
استمرت الإجراءات القانونية لأكثر من عام. واجهت عائلة العزّام تهم الاحتجاز القسري، والاحتيال المالي، والترهيب، وعرقلة العدالة. فقد مصطفى امتيازاته التقاعدية ورُفعت عليه دعوى إفشاء معلومات حيوية. كما خضع عدة مسؤولين للتحقيق الرسمي، وتم التحفظ على أموال الجمعية وتحويلها لأعمال حماية ودعم الضحايا.
لم تكن العدالة سريعة ولا استعراضية؛ بل جاءت عبر التحقيقات، والوثائق، واللسان الصريح، والجلسات المؤجلة في أروقة المحاكم. لكنها أضحت واقعاً، صفحة تلو الأخرى.
لم يكن تعافي “ريم” خطاً مستقيماً. في بعض الصباحات كانت تستيقظ قبل الفجر، جازمة أنها تسمع خطوات خارج غرفتها. الأماكن المزدحمة كانت تربكها، والمكالمات المفاجئة تجعل يديها باردتين. لكنها عملت مع أخصائية، وأخذت إجازة من عملها في المتحف، وتعلّمت تدريجياً أن قبول المساعدة ليس استسلاماً.