تحت المرتبة – محمد نور
بعد أن قال الطبيب إن عمرها قد لا يتجاوز بضعة أشهر، تزوجتها داخل المستشفى.. لكن بمجرد أن همست إحدى الممرضات بشيء في أذني، انقلبت حياتي رأسا على عقب.
الجزء 1
“هل أنت متأكدة؟”
خرج السؤال من بين شفتي بصوت مبحوح وأنا أنظر إلى ريم المستلقية بضعف على سرير المستشفى.
جسدها الذي كان يمتلئ بالحيوية لم يبق منه سوى جلد على عظم، وشعرها الطويل الذي طالما تلمسته تساقط معظمه، لكن عينيها لم تتغيرا؛ ما زالتا بذات البريق والذوق والدفء، وتجعلانني أشعر أنني أنظر إلى الفتاة ذاتها التي أحببتها منذ سنوات.
قالت بصوت خافت: “أجل.. قال الطبيب إن الأجل قد لا يتجاوز ثلاثة أشهر، وربما أقل.. لا أريد أن أرحل وأنا مجرد خطيبة لك”.
أمسكت يدها برفق، وكانت أصابعها ضئيلة وهشة بين كفي. تذكرت كيف كانت تمسك بي بقوة كلما تجولنا في السوق، أما الآن فأنا أخشى حتى أن أضغط على يدها.
تابعت ريم: “ليس لدينا وقت لإقامة حفل زفاف كبير، حضور عائلتينا يكفي.. نتزوج هنا في هذه الغرفة، لا أريد الانتظار حتى أصل إلى مرحلة لا أستطيع فيها الكلام”.
نظرت إليها لثوان ثم أومأت برأسي، فقد كانت الكلمات محتبسة في حلقي.
في اليوم نفسه اتصلت بوالدي ريم، فأتيا فوراً من الإسكندرية عبر أول قطار، كما وصلت أمي من الصعيد في المساء ذاته. وفي أقل من ست ساعات، كان الجميع قد تجمعوا في المستشفى.
وسط رائحة المطهرات وصوت الممرات المتردد، أقمنا عقد زران لم أتخيله يوماً. حضر المأذون ومعه الدفاتر، وجلست بجانب سرير ريم وأنا أتردد في رد الترديد وراءه وصوتي يوشك أن يختنق، بينما كانت ريم تتابع من سريرها بوجه أصفر وعينين تلمعان.
قال المأذون: “بارك الله لكما وبارك عليكما”، فتعالت أصوات البكاء في الغرفة.
انحنيت وقبلت جبهة ريم، وكانت بشرتها باردة. حبست أنفاسي كي لا تسقط دموعي.. ليس الآن، لا أريد أن أبكي في هذه اللحظة.
كان والد ريم ووالدتها يقفان في الزاوية ينتحبان، وكانت أمي تقف خلفي تماماً وتضغط على كتفي بقوة. كنت أعلم ما يدور في أذهان الجميع؛ إنه عقد زواج، لكنه يبدو كوداع ملتف بأبهى حلة.
ابتسمت ريم لي بضعف وهمست: “شكراً لك يا أحمد.. هذا كل ما كنت أتمناه”.
جلست على المقعد المجاور لسريرها. لم تكن الغرفة واسعة، بل تتسع للعائلة المقربة فقط. وعلى الطاولة الصغيرة قرب النافذة وضعت أمي باقة من باقات الفل، لكن أريجها كان يختفي تحت سطوة رائحة الأدوية والكحول.