درس العمر ٢ – حكايات منى السيد
الجزء الثالث والأخير
رامي كان واقف ورا الباب، رجليه مش شايلاه، ووشه اتخطف لدرجة إن دمه هرب منه في ثواني. علبة الحلويات الشرقية الكبيرة اللي في إيد محمود كانت ملفوفة بشريطة حمرا وبتلمع، ومحمود داخل بصدره المفتوح وضحكته الرنانة اللي بتهز السلم، وجنبه نهى لابسة ومتشيكة وريحة برفانها سبقاها، وبتبتسم ابتسامة هادية عارفة كل كواليسها.
إيه يا رامي يا صاحبي؟ مالك متنح كده ولا كأنك شفت عفريت؟ ما توسع يا عم العتبة خلينا ندخل!
محمود مد إيده وخبط على كتف رامي خبطة صاحب تقيلة وهو بيضحك، ودخل الصالة وهو بيبص يمين وشمال.
مريم خرجت من المطبخ بخطوات واثقة، لابسة فستان بيتي شيك جداً، وشعرها معمول، ووشها منور بابتسامة تدرّس في أصول التمثيل وبرود الأعصاب أهلاً يا محمود، نورتوا يا نهى يا حبيبتي، اتفضلوا اتفضلوا، البيت بيتكم والله!
نهى سلمت على مريم بحرارة وبوستين في الهوا، وفي عينيها لمعة خبيثة فهمتها مريم من غير ما ينطقوا حرف تسلمي يا مريومة، ألف مبروك العزومة الرايقة دي، والله محمود من ساعة ما رامي قعد يحكيله على النظام الجديد وهو قالب دماغي، قولتله لازم نيجي نشوف الشطارة دي على عينك يا تاجر!
رامي قفل الباب ببطء شديد، ولسانه كان مربوط كأنه واكل حنظل. مشي وراهم وهو بيفرك في إيديه العرقانة. عينه كانت رايحة جاية بين السفرة الفاضية، وبين مريم اللي وقفت بكل براءة في نص الصالة.
محمود حط علبة الحلويات على ترابيزة الصالون، وقعد ورمى ضهره لورا ورجل على رجل بكل أريحية ها يا أبو الروس! الشغل عالي باين عليه.. مريم قالت لنهى في التليفون إنك حلفت يمين طلاق إن العزومة دي كلها من أولها لآخرها على حسابك ومن ذوقك وتدبيرك، وإنك مش هتخليها تمد إيدها في حاجة خالص عشان توريني الرجولة والتكفل الصح بيبقى عامل إزاي!
رامي حس ببلعومه جاف، بص لمريم بنظرة كلها استعطاف ممزوج برعب، زي عيل صغير اتمسك بيسرق من حصالة أبوه. همس بصوت مش طالع مريم… إنتي… إنتي مجهزتيش حاجة؟
مريم رفعت حواجبها بمنتهى البراءة المصطنعة، وقالت بنبرة ناعمة سمعها الكل أجهز إيه يا حبيبي؟ هو إحنا مش اتفقنا؟ أنا الست اللي دوري اتلغى خلاص بقرار منك، وإنت ما شاء الله رب الأسرة الصراف اللي شايل الليلة كلها بمرتبك العالي. إنت مش قولت لمحمود إن الست متسألش على فلوس ولا تشيل هم أكل وشرب وإن الراجل هو اللي بيفرش السفرة بمزاجه؟ أديك عازم صاحبك، والأبلكيشنات كلها على موبايلك، اطلب بقى المشويات اللي حكيت لمحمود عنها ولا إيه؟
محمود ضحك بصوته كله الله عليكي يا مريم! شوفت يا رامي؟ الست مدياك مساحتك ع الآخر أهو! يلا بقى يا بطل، ده أنا مظبط بطني من الصبح على كباب وكفتة وحمام محشي من عند المنوفي ولا الحاتي التقيل بتاع التجمع.. متكسفناش بقى!
رامي وقف مكانه، وشه سخن وبقى شبه قشرة الطماطم المضروبة في الخلاط. إيده كانت في جيبه بتتحسس الموبايل، وعقله شغال زي العداد التاكسي المجنون أطلب منين؟! الكارت المشترك متجاوز الحد ومرفوض، حسابي الجاري فيه ألفين وثمانمية جنيه يدوبك هيتحاسب بيهم على قسط كهربا ولا بنزين العربية اللي مش هتكفي لآخر الأسبوع، وعزومة بالحجم ده لأربع تنفار في مطعم نظيف مش هتنزل عن تلات ولا أربع آلاف جنيه!
نهى قعدت تضحك برقة وبصت لجوزها شايف يا محمود الرجالة اللي بتدلع بيوتها؟ مش زيك تقعد تحسبها بالورقة والقلم وتقولي اطبخي مكرونة وبانيه عشان نوفر للجمعية؟
محمود اتنحنح وشه اتغير شوية إحم.. لأ طبعاً يا نهى، أنا عمري ما قولت كده، ده أنا حتى الأسبوع اللي فات قولتلك نطلب من برة بس إنتي اللي صممتي توفري!
نهى بصت لمريم وضحكت ضحكة صفرا فضحت المستور توفر إيه يا حودة؟ ده إنت بتبعت تجيبلي الفرخة وأقعد أقسمها على يومين عشان نكفي لآخر الشهر، وجاي هنا تنفخ ريشك على رامي؟ ده رامي ده باشا ابن باشا!
مريم قربت من رامي وطبطبت على كتفه بدلال يغيظ طبعاً يا نهى، رامي عمره ما بيبخل، ده هو قايلي إن الأربعين ألف بتوعه مكفيين ومفيضين، وإنه مش محتاج قرش مني أصلاً. يلا يا رامي يا حبيبي، افتح الموبايل واطلب الدليفري مستعجل عشان ضيوفنا جاعوا، ولا تحب أطلبلك أنا من حسابك؟
رامي كان هينفجر. طلع الموبايل بإيد بتترعش، عمل نفسه بيفتح الأبلكيشن، وفجأة قال بصوت مخنوق ومتقطع هو… معلش يا جماعة.. شكل النت فاصل عندي، والشبكة واقعة خالص.. مريم، ممكن كلمة في المطبخ دقيقة؟
مريم ابتسمت من عيني يا روحي، عن إذنكم يا جماعة دقيقة نشرب مية وجايين.
دخل رامي المطبخ، ومريم مشيت وراه بمنتهى الهدوء. أول ما قفلت باب المطبخ نص قفلة، رامي هجم عليها بصوت واطي بس كله غيظ وهستيريا إنتي اتجننتِ؟! إيه اللي بتهببيه ده؟! عازماهم ليه النهاردة بالذات؟! إنتي عارفة إن معاييش سيولة في الحساب! عايزة تصغريني قدام محمود ومراته؟! عايزة تفضحيني؟!
مريم وقفت وسندت ضهرها ع الرخامة، وربعت إيديها أفضحك؟ هو أنا اللي حطيت نفسي في الموقف ده ولا إنت؟ مش ده محمود اللي صدّعت دماغي بيه؟ مش ده اللي قعدت تقارن بيني وبين مراته وقولتلي دي ست بتفهم وعارفة مكانها وبتخدم راجلها من