فصل تعسفي – محمد نور

الجزء الأول :

كانت كوب القهوة بين يدي عندما وصلت خالتي، كريمة الصاوي، إلى الصفحة الأخيرة من العقد.

مائة وخمسون مليون ريال.

ثلاثة أشهر من المفاوضات.

سبعة عشر رحلة سفر.

عشرات الاجتماعات.

وفضل الله، في هذا الصباح بالذات، اكتمل كل شيء.

— رَزان، سأوافق من أجلكِ فقط —قالت خالتي وهي تمسك بالقلم—. أخبري مديركِ أن الاتفاق قد تم.

ابتسمت.

توفيق الراوي، المدير العام للشركة التي عملتُ فيها لست سنوات، كان سيتطير فرحاً بلا شك.

في تلك اللحظة اهتز هاتفي.

كانت رسالة من سارّة، سكرتيرة القسم:

“رَزان… لا أعلم إن كان يجدر بي إخبارُكِ، لكن توفيق أعلن للتو في الاجتماع عن فصلكِ من العمل!”

ظننتُ أنني أقرأ بالخطأ.

ثم وصلتنـي رسالة أخرى:

“يقول إنكِ ارتكبتِ مخالفة جسيمة لغيابكِ عن العمل ثلاثة أيام متتالية.”

“لمياء النجار ستتولى منصبكِ كمديرة للحسابات، وقد نقلوا أغراضكِ بالفعل هذا بعد الظهر.”

حدقتُ في الشاشة دون حراك.

غياب عن العمل؟

خلال تلك الأيام الثلاثة، استقللتُ طائرتين لأفاوض تحديداً على هذا العقد الذي تبلغ قيمته مائة وخمسين مليون ريال، والنوع الذي كانت خالتي على بعد ثوانٍ من توقيعه!

ورخصة سفري كانت تحمل توقيع توفيق نفسه.

بل إنه ربت على كتفي قبل مغادرتي قائلاً:

— أعلم أن الأمر سيكون مجهداً يا رَزان، لكن ثقتي بكِ كبيرة.

اهتز الهاتف مجدداً:

“هناك شيء آخر.”

“لمياء أبلغت توفيق بأنها هي من جلب هذا العميل، وأنكِ كنتِ تقومين بالمتابعة النهائية فقط.”

“وتوفيق وافق على نسب الفضل كله لها.”

وضعتُ كوبي ببطء على الطاولة.

كان سن قلم خالتي يلمس الورقة عند الموضع المخصص لتوقيعها.

— انتظري.

رفعت كريمة رأسها:

— ماذا هناك؟

— لا توقّعي.

ساد الصمت لثانية.

ثم وضعت القلم على الطاولة.

أريتها الرسائل.

قرأت خالتي كل شيء، ثم أطلقت ضحكة قصيرة.

لم تكن ضحكة مرحة، بل من ذلك النوع الذي يبعث على الريبة.

— أمرٌ يدعو للعجب.

دفعت العقد جانباً.

— يستغلون ابن أختي لثلاثة أشهر للوصول إليّ، ثم يفصلونها وهي في منتصف المهمة، ويسلمون ثمرة جهدها لشخص آخر؟

استندت إلى الخلف بكل هدوء وقالت:

— شركة كهذه لا تستحق مائة وخمسين مليون ريال… ولا حتى ريالاً واحداً.

ثم صمتت لحظة.

قمتُ وأخذتُ معطفي.

— سأعود إلى الشركة.

— هل تريدين أن أرسل أحداً معكِ؟

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *