درس العمر١ – حكايات منى السيد

حكايات مني السيد حصري
جوزي عايرني بمرات صاحبه وقالي في وشي شوفي الستات اللي بتعرف تبسط رجالتها وتخدمهم إزاي، مش زيك! دا أنا بمرتبي ده المفروض ما ألمسش مقشة في البيت أصلاً. بدل ما أعمل خناقة وأصوّت، رفعت سماعة التليفون وكلمت الست دي، وبعدها فرشت كل الفواتير والمصاريف على الطرابيزة. اللي عرفته عن الزوجة المثالية بتاعة صاحبنا ولّع في دماغي فكرة جهنمية، بس الضربة القاضية بجد نزلت على دماغه لما الحساب المشترك بتاعنا صَفّر فجأة ومبقاش فيه ولا مليم!
الجزء الأول
بما إني بقبض أكتر منك، يبقى من النهاردة شغل البيت كله عليكي لوحدك. ولو مش عاجبك، ألف واحدة تتمنى تخدمني وتعرف تشيل راجلها في عينيها.
مريم وقفت مسمرة مكانها في نص المطبخ، وشنطة الشغل لسه متعلقة على كتفها.
كانت لسه راجعة من يوم شغل طويل في شركة شحن في التجمع، رجليها وارمة من الوقفة، وعينها مش شايفة من الجوع، وكل اللي كانت بتفكر فيه دش دافي ولقمة نظيفة وتنام.
لكن رامي، جوزها بقالهم أربع سنين، كان قاعد على طرابيزة المطبخ بيشرب شاي، ووشه خاشب ولا كأنه بيعلن بيان وزاري.
نعم؟ بتقول إيه؟ سألته وهي مش مستوعبة.
زي ما سمعتي كده. أنا باخد ضعف مرتبك تقريباً، مش منطقي بعد ما أرجع من الشغل أمسك مقشة، ولا أغسل مواعين، ولا أطبق غسيل. إنتي الست، وده مكانك ودي وظيفتك.
مريم ضحكت ضحكة صفرا وسريعة، كانت فاكراه بيهزر ودمه تقيل.
بس مطلعش بيهزر خالص.
لحد الأسبوع ده، كان كل حاجة ماشية بينهم بالنص وبالرضا؛ هي تطبخ، وهو يقف على الحوض يغسل المواعين، ويوم الجمعة يروقوا الشقة سوا، ولو واحد فيهم اتأخر التاني يجهّز العشا من سكات.
احنا الاتنين بنشتغل وبنشقى، ردت مريم وهي ماسكة نفسها بالعافية، وكونك بتقبض أكتر مني مش معناه إني برجع من الشغل رايقة ومرتاحة!
رامي ربع إيديه ونفخ صدره محمود صاحبي بيقولي إن مراته نهى فاهمة الأصول تمام. بيرجع يلاقي الأكل سخن، الهدوم مكوية على السنجة وعشرة، والشقة تبرق نهى عارفة يعني إيه سي السيد وبتريّح جوزها.
محمود ده بقى زميل رامي في الشغل، ومن نوعية الرجالة اللي لو قعدوا على القهوة لازم يقلبوها مقارنة مين بيقبض أكتر، ومين جاب عربية أحدث، ومين فيهم كلمته ما بتنزلش الأرض في بيته.
نهى مابتشتغلش برة البيت أصلاً يا رامي، مريم قالتله بعصبية.
مش فارقة، الفكرة في المبدأ والنية! محمود بيقول الست الأصيلة اللي بتعمل حساب لراجلها مبتقعدش تعد عليه مين غسل طبق ومين مسح صالة.
مريم حست بغصة وحرقة في قلبها طب ما تروح تتجوز محمود أحسن؟ أصلي ملاحظة إنك واكل دماغك بكلامه أكتر ما بتسمعني!
رامي خبط بإيده خبطة خفيفة ع الترابيزة وقال بغرور بلاش حوارات ودراما مالهاش لزمة. أنا بقولك الصح وإزاي البيت ده هيمشي من هنا ورايح. وبعدين شاور على البوتاجاز وبالمناسبة أنا جعان، سخنيلي الأكل بتاع امبارح، واعمليلي كوباية شاي تانية في طريقك.
مريم بصتله كذا ثانية من فوق لتحت بنظرة باردة.
راحت سايبة شنطتها على الكرسي، مشيت لحد التلاجة، طلعت إزازة مية ليها ودخلت أوضة النوم وقفلت وراها.
يا مريم! رامي زعق من برة فين العشا بتاعي؟!
ماردتش عليه ورمت نفسها على السرير.
تاني يوم الصبح، ولا عملت فطار ولا حطت حتى رغيف عيش ع الطرابيزة.
رامي خرج من الأوضة مبرق في السفرة الفاضية إيه ده؟ ماعملتيش بيض ولا جهزتي فطار؟ نازلة بدري، متأخرة ع الشغل. طب وأنا هفطر إيه؟
مريم بصتله وهي ماسكة الموبايل وابتسمت ببرود مش إنت الراجل الصراف، رب الأسرة الشقيان؟ واثقة إنك هتعرف تتصرف وتعمل لنفسك فطار.
وش رامي جاب ألوان واحمرّ من الغيظ تمام يا مريم.. فضلي نشفي دماغك، وبكرة لما أتجوز عليكي واحدة تانية تعرف قيمتي متجيش تعيطي!
الجملة دي تحديداً كانت القشة اللي قطمت ضهر الصبر عندها، وقفلت عندها أي نية للمصالحة.
في البريك في الشغل، مسكت التليفون وكلمت نهى مرات محمود صباح الخير يا نهى.. معلش هسألك سؤال غريب شوية بس محتاجة إجابة صريحة.. هو إنتي بجد بتعملي كل حاجة في البيت لوحدك من طقطق لسلامو عليكم عشان محمود هو اللي شايل مصاريف البيت؟
الخط سكت ثانيتين.. وفجأة نهى فرقعت من الضحك محمود قال كده؟! يخرب عقله! رامي بيقولي إنك الست المثالية اللي المفروض اتعلم منها إزاي اخدم جوزي!
نهى ماتت على روحها من الضحك وقالت يا مريم يا حبيبتي ده في واحدة بتجيلي الشقة تلات أيام في الأسبوع تنضفها من أولها لآخرها، والهدوم ببعتها الدراي كلين اللي تحت العمارة، وأنا مبطبخش غير كل أسبوعين مرة بمزاجي! وباقي الأيام ديليفري ومن أبلكيشن الأكل!
مريم قبضت إيدها ع الموبايل يعني الكلام بتاع إنك مطيعة وبتعمليله البدع وقايمة بالبيت كله ده..؟ فستك يا بنتي! شو بيعمله قدام أصحابه ع القهوة، بيحب يعيش الدور ويعمل فيها سي السيد وهو لا بيهش ولا بينش!
بالليل.. مريم استنت رامي لما رجع وقعد تاني يعيد نفس الاسطوانة المشروخة وإن البيت ده قايم وماشي بفضل مرتبه وبركته هو.
ابتسمت وقالتله بهدوء تام تمام، إيه رأيك نعمل تجربة؟ لمدة شهر كامل، كل واحد فينا هيعيش من جيبه وبمرتبه الخاص.
رامي برّق ورفع حاجبه إنتي قد الكلام ده؟ أيوة قده. كل واحد يدفع مصاريفه الشخصية بنفسه، ومصاريف البيت الأساسية تتقسم بيننا بالورقة والقلم. وساعتها هنشوف بجد مين اللي معيش التاني ومين اللي محتاج للتاني.
رامي فضل يضحك باستهزاء موافق طبعاً! ده إنتي أسبوعين بالكتير وهتيجي تبوسي إيدي عشان أديكي قرشين تكملي بيهم الشهر. ولو إنت اللي فلست ومرتبك مكملش لآخر الشهر؟
ابتسم بمنتهى التكبر والغرور سابع المستحيلات.. دي متدخلش عقل عيل صغير! طب نراهن؟
رامي دخل الرهان بكل ثقة لو مريم خسرت، هتعمله كل يومين أكلات اللحوم والبط والحمام اللي بيحبه بإيديها وتخدمه، ولو هو اللي خسر، هيرجع يساعدها في كل شغل البيت ومن غير نَفَس، وفوقيها هيلتزم إنه يغسل وينضف الحمام بإيده لمدة ست شهور!
اتفقوا ومدوا إيديهم وسلموا على بعض عشان يثبتوا الرهان.
رامي بصلها وكأنه ضامن المكسب في جيبه..
بس اللي مكنش عامله حسابه، إن مريم عارفة القرش والتعريفة اللي بيدخلوا وبيخرجوا من البيت ده بيروحوا فين بالظبط.
ولما قعدت بالليل تراجع الحسابات والفواتير ورا ضهره، اكتشفت كارثة وبلاوي مكانتش تتخيلها أبداً واللي كان مستنيهم هما الاتنين مكنش يخطر على بال جن!
الجزء الثاني
بعد ما رامي مد إيده وسلم عليها بابتسامة النصر دي، دخل الأوضة ينخمد في سابع نومة وهو حاطط في بطنه بطيخة صيفي، متخيل إنه زنقها في خانة اليك وإنها خلال عشر أيام بالكتير هتيجي تبوس راسه عشان يرميلها قرشين تكمل بيهم الشهر.
لكن مريم كانت في كوكب تاني خالص.
دخلت أوضة المكتب الصغيرة وقفلت الباب بالمفتاح من سكات. قعدت على المكتب، فتحت اللاب توب، وطلعت الدفتر السلك المتداري جوه درج مقفول؛ الدفتر اللي كانت بتسجل فيه كل مليم بيطلع من البيت من أول يوم اتجوزوا فيه، بحكم طبيعة شغلها في اللوجستيات وإدارة الحسابات. فتحت كشوفات حساب البنك

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *