درس العمر ٢ – حكايات منى السيد

بيه قدام صحابك!
الصالة كلها سكتت. السكون كان فظيع لدرجة إن صوت عقارب الساعة في الحيطة كان مسموع بوضوح.
محمود كان وشه محروق، وعينيه تايهة في أطباق السفرة مش عارف يبص لرامي فين ولا إزاي. الكدبة الكبيرة اللي كان بيبني عليها شخصيته طول السنين اللي فاتت اتهدت في ثانية قدام مراته وقدام زميله.
رامي في اللحظة دي بالذات، بص لمحمود، وبعدين بص لمريم.
حس بحاجة غريبة جداً بتتحرك جواه؛ ميكس بين الصدمة، وبين الغيظ من نفسه، وبين إحساس عميق بالندم. الراجل اللي كان بياخده قدوة، واللي قلب بسببه بيته وخسر احترامه لمراته وعايرها بلقمتها وشغلها، طلع في الآخر أراجوز، عايش في وهم ومنظرة كدابة، وبيستعرض برجولة زائفة على حساب الحقيقة!
مريم قطعت الصمت بذكاء وضحكت بخفة يا ستي كل البيوت فيها أسرارها، المهم إنكم منورينا الليلة.. كل يا محمود متتكسفش، رامي صاحبك برضه ومفيش بينكم أسرار!
محمود كمل أكله وهو باصص في طبقه ومفتحش بؤه بكلمة تانية طول السهرة، ونهى كانت مروقة وبتشرب عصيرها بانتصار.
الساعة جت حداشر، محمود ونهى استأذنوا ونزلوا. محمود كان نازل ع السلم وراسه في الأرض، حتى مرفعش عينه يودع رامي بحرارة زي ما دخل.
رامي قفل الباب، ولف ضهره.
الشقة كانت هادية، وأطباق العزومة المتوسخة كانت مالية السفرة والمطبخ.
مريم وقفت قدامه، وبصتله من غير ما تتكلم. عينيها كانت بتقوله أدي صاحبك اللي كنت بتهد بيتك عشانه، وأدي النتيجة.
رامي مشي بخطوات تقيلة، ووقف قدامها. عينيه كانت مكسورة، الغرور الكداب اللي كان مالي صوته أول الشهر اتبخر ومبقاش منه غير راجل اتعلم درس عمره.
مريم.. أنا آسف.
الكلمة طلعت منه بصوت واطي بس صادقة لأول مرة.
أنا كنت أعمى يا مريم.. كنت غبي وتافه وبجري ورا كلام فارغ ومنظرة ملهاش أي تلاتين لزمة. محمود ده طلع مسكين وأنا كنت أهبل منه لما سمعتله وجيت أفرضه عليكي في بيتك. أنا نسيت إنك إنتي اللي شيلتيني، ونسيت إن تعبك وشقاكي في التجمع هو اللي ساترنا، وإني من غير تدبيرك مكنتش هعرف أعيش أسبوعين على بعض بمرتبي ده.
مريم قربت منه، ونظرتها لانت شوية، بس الحزم كان لسه موجود في نبرتها الاعتذار حلو يا رامي، بس الأفعال هي اللي بتثبت. أنا مش عدوتك، ولا عمري كنت داخلة معاك في ندية ولا مسابقة مين بيكسب أكتر. إحنا دخلنا البيت ده شركاء، بنشقى سوا ونتعب سوا عشان نعمل بيت نظيف ومستقبل لينا ولعيالنا لما يجوا. لكن إنك تدوس عليا، وتستقل بيا وبتعبي، وتفتكر إن الفلوس بتديك حق إنك تقلل من قيمتي وتخليني خادمة عندك، ده اللي مكنتش هسمح بيه أبداً، حتى لو كان التمن إني أسيب البيت ده ومارجعلوش تاني.
رامي مسك إيديها الاتنين وباسهم حقك عليا.. والله العظيم فهمت، والدرس علم في دماغي ومش هنساه ليوم الدين. من النهاردة مفيش كلمة تتقال بعد كلمتك في إدارة قرش البيت، وكل اللي اتفقتِ عليه هيتنفذ بالحرف، من بكرة الصبح.
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت إيدها بهدوء، وشاورت بصباعها على السفرة المليانة أطباق ومخلفات العزومة من بكرة الصبح إيه يا رامي؟ الرهان بيبدأ من اللحظة دي بالظبط!
رامي بص للسفرة، وبص لحوض المطبخ اللي اتملى أطباق وحلل ودهون دلوقتي؟
مريم قعدت على كرسي الصالون، وحطت رجل على رجل، ومسكت ريموت التليفزيون وشغلت مسلسلها المفضل أيوة دلوقتي يا بو الروس. شمر كمامك، ادخل على المطبخ، شيل الأكل، اغسل المواعين بالسلكة والصابون، ومتنساش تمسح الرخامة بعد ما تخلص.. وبعدين تاخد جردل المسح والديتول وتدخل على الحمام تخليه يبرق زي المراية، عشان قدامك ست شهور خدمة فيه!
رامي بص للمطبخ، وبص لمريم، ولقى نفسه بيضحك غصب عنه؛ ضحكة راجل أدرك إنه خسر المعركة بغبائه بس كسب بيته ومراته اللي بتفهم قبل ما يضيعوا من إيده للأبد.
شمر كمام قميصه، وقلع ساعته حطها على الترابيزة، وقال وهو داخل على المطبخ أمرك يا ستي.. بس كوباية شاي بنعناع بقى من إيدك الحلوة دي تصبرني ع المواعين؟
مريم ضحكت من قلبها، وقالت بصوت مسموع حاضر يا رامي.. لما أشوف لمعة الأطباق الأول!
ومن الليلة دي، اتعلم رامي إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بعدّ الفلوس ولا بكلام القهاوي الفاضي، وإن الست الأصيلة مش هي اللي تطاطي وتتكسر، الست الأصيلة هي اللي تعرف تسند بيتها بذكائها، وتحط كل واحد في مقامه الصح، بالورقة والقلم ومن غير نقطة دم واحدة. النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *