اتصال قلب الموازين- محمد نور
بعد ستة أشهر، انتقلت إلى منزل صغير لطيف بالقرب من إحدى الحدائق. في أول ليلة، ساعدتها في تركيب طاولة المطبخ، بينما أحضرت أمينة وطفلتها سارة كعكة ليمون. رسمت سارة الصغيرة لوحة لأربع نساء يقفن تحت سماء زرقاء شاسعة، أطّرتها ريم وعلقتها بجوار الباب الرئيسي.
عندما هممت بالرحيل، رافقتني ريم إلى الشرفة. كان الشفق يلقي بظلاله الدافئة على الشارع، وصوت طفل يتمرن على العزف يتردد من مكان قريب.
قالت لي: «كنت أظن أن الشجاعة تعني ألا نخاف أبداً.»
قلت لها: «وكنت أظن ذلك أيضاً.»
«وماذا تعني بالنسبة لكِ الآن؟»
نظرت إلى ابنتي، إلى الآثار الباهتة التي تتلاشى عن ذراعيها، وإلى الثبات الذي يستقر مجدداً في ملامحها.
وقلت: «أن تقولي الحقيقة كاملة… حتى والخوف ما زال يملأ الغرفة.»
ابتسمت، ثم أغلقت الباب الأمامي وأدارت المفتاح من الداخل. كان صوتاً بسيطاً وعادياً، لكنني فهمت معناه جيداً. فلأول مرة منذ وقت طويل جداً، كان المفتاح في يد ريم ملكاً لها هي وحدها.
كنت أظن في البداية أن زيّي العسكري ورتبتي هما ما سينقذها، لكن الأمر لم يكن كذلك. الرتبة فتحت بعض الأبواب وجعلت البعض يستمعون، لكن ريم هي من حملت الأدلة خارج القصر، وأمينة هي من حمت الحقيقة، وسارة هي من انتظرت بإيمان أكبر من سنها، وجماعة من الغرباء اختاروا الواجب على النفوذ.
ابتسمت عائلة العزّام في المستشفى لأنهم اعتقدوا أن القوة تُقاس بعدد الأشخاص الذين يمكنك إسكاتهم. لم يفهموا أبداً القوة الحقيقية والأكثر ثباتاً: شجاعة شخص خائف يتكلم أخيراً، واستعداد شخص آخر لأن يصدقه.
وكان ذلك هو الصمت الذي لم يتوقعوه أبداً: ليس صمت الاستسلام، بل الصمت الذي يتبقى عندما لا يعود هناك من هو مستعدٌ لإطاعتهم.
تمت بحمد الله
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد