حاولو اهانتها في المطار فانتقمت
الوجع في المطار: عندما تبيع الأم كل شيء وتُشترى برخص
في مطار القاهرة الدولي، وقفت الحاجه أمينة شاخصة ببصرها أمام مكتب تسجيل المسافرين. كانت ترتدي عباءتها الجديدة بلون البيج الفاتح، وحذاءها المريح، والابتسامة التي كانت تزين وجهها بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً.
بسنواتها الاثنتين والسبعين، كانت أخيراً على وشك تحقيق الحلم الذي طالما خبأته في قلبها منذ شبابها: السفر إلى باريس.
لم تكن مجرد رحلة عادية؛ بل كانت عهداً قطعته لزوجها الراحل عبد الرحمن قبل وفاته.
طوال سنوات، كان عبد الرحمن يقول لها إنهم سيسيرون يوماً ما معاً على ضفاف نهر السين، وسيشربون القهوة وهم يتأملون برج إيفل، وأنها سترتدي معطفاً أحمر زاهياً كبطلات الأفلام الكلاسيكية التي اعتادا مشاهدتها مساء كل جمعة.
لكن عبد الرحمن رحل مبكراً.
وقررت أمينة أن تفي بوعدها وتذهب وحدها… أو هذا ما ظنته، حتى طلب منها ابنها الوحيد طارق أن يأخذها معه هو وزوجته داليا.
— “يا أمي، كيف تسافرين وحدك في هذا السن؟ نحن سنكون معك ونرعاك” — قالها طارق بنبرته الناعمة التي لا يستعملها إلا عندما يريد مصلحة ما.
وظنت أمينة، بقلب الأم الطيب، أن لديها عائلة تستند عليها.
باعت قطعة أرض صغيرة كانت تملكها في الريف، وسحبت جزءاً كبيراً من مدخرات عمرها، وتكفلت بدفع كل شيء: تذاكر الطيران، الفندق الفخم، الجولات السياحية، المطاعم، التأمين الصحي، وحتى الملابس الجديدة التي اشترتها لطارق وداليا.
في ذلك الصباح بالمطار، كانت داليا ترتدي طقماً فاخراً وماركة عالمية، وتضع نظارات شمسية داكنة، وتحمل حقيبة يد باهظة كانت أمينة قد دفعت ثمنها في النهاية بحجة أنها “من أجل برستيج الرحلة”.
وكان طارق يمسك في يده جوازات السفر وتذاكر صعود الطائرة.
كانت أمينة تنظر إلى شاشات عرض الرحلات بعينين مليئتين باللهفة، كطفلة صغيرة ترى أضواء المولد لأول مرة.
فجأة، اقترب منها طارق، وخفض صوته، ونطق بالكلمات التي مزقت روحها:
— “أمي… أنتِ لن تصعدي معنا إلى الطائرة”.
ظنت أمينة في البداية أنها دعابة ثقيلة.
— “ماذا تقصد يا بني؟ كيف لا أصعد؟”.
لم يجرؤ طارق حتى على النظر في عينيها وهو يجيب:
— “ستعودين إلى البيت. يجب أن يظل أحد هناك للاعتناء بـ ‘مشمش’ و’بسبوسة'”.