دولاب الاسرار – محمد نور

 

سخر جاسر، ورمى كرسيًا مكسورًا فوق العربية:

— «وخد الكرسي ده كمان… خلي ياسمين تقعد عليه، أصل ده يليق بالعيلة اللي اختارتها!»

 

طارق ما ردش.

 

غطّى الدولاب ببطانية قديمة، وربطه بالحبال كويس.

 

وقبل ما يتحرك بالعربية، لمح ياسمين واقفة بعيد ورا سور البيت.

 

كانت جاية من آخر الشارع، بس ماقدرتش تدخل… لأن أبوها أقسم يوم طردها إن رجليها ما تطأش البيت تاني.

 

أول ما شافت الدولاب فوق الكارو، رفعت إيديها على بقها، وانهمرت دموعها في صمت.

 

في اللحظة دي، فهم طارق كل حاجة…

 

الدولاب ده عمره ما كان هيبقى للبيع.

خص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

من 15 سنة، كانت ياسمين دي هي “ست البنات” والدلوعة عند الحاج سليمان. عيلة “الفولي” كانت تحكم السوق: وكالات، ومعاصر زيت، وأراضي. “جاسر” كان متفصل عشان يمسك التجارة، و”ياسمين” كان معروض عليها ابن أكبر تجار الوكالة.

​بس هي شافت “طارق” في سوق الجمعة للقطع القديمة. كان بيصلح كرسي هزاز لست عجوزة غلبانة بلاش. كان بيشتغل بصبر وبراءة أخدت عقل ياسمين ووقفت تتفرج عليه نص ساعة.

​— «أنت ليه مخدتش منها فلوس؟» —سألته.

طارق بص لها وابتسم:

— «عشان الست دي دفعت ثمن الكرسي ده من شقاها زمان يا أبلة.. مش صح تدفع تاني لمجرد أنها عايزة تقعد في المكان اللي هزت فيه ولادها وهما صغيرين.»

​ياسمين عمرها ما سمعت راجل بيفكر بالطريقة دي. فضلت تحور وعملت مية حجة عشان تزور ورشته الصغيرة، وهناك شافت شباك محروق أخد روح جديدة، وصناديق أكلها البارومة رجعت تحفة. طارق كان دايماً يقول لها: «الشرخ اللي في الخشب مش معناه إنه اترمى.. الشرخ ده هو المكان اللي الخشب بيقولك فيه: اسندني هنا!»

​لما الحاج سليمان عرف بالقصة، الدنيا قامت ومقعدتش:

— «عايزة تتجوزي واحد بيلم زبالة الناس؟!»

— «ده أسطى شريف وبيرجع الروح للحاجة يا بابا!»

— «ده شحات معندوش قرشين على بعض!»

— «بس راجل وربنا يبارك في قرشه.»

​الحاج حلف مية يمين، بس ياسمين لمّت هدومها في شنطة صغيرة في ليلة ضلِمة، اتجوزت طارق في جامع المنطقة، وحضر كتب الكتاب الجيران وصبي الجزمجي.

​الحاج سليمان مسح اسمها من دفتر العيلة. ولما أُمها “أمينة” مرضت وكانت بتموت، الحاج منع ياسمين تدفع الباب وتشوفها. ياسمين وصلت الترب بعد ما كانوا ردموا التراب على أُمها، وأبوها بص لها من بعيد أكنها حيطة وقفل وشّه ومشي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *