الأم والكنة – محمد نور
الجزء الأول
بعد سنتين من طلاقي، شفت مراتي القديمة شايلة أمي المريضة على ضهرها. “أبوس إيدك ما ترجعنيش البيت ده”، أمي اتوسلتلي وأنا واقف مصدوم. سكت خالص، طلعت التليفون وبصيت على الرسائل اللي كانت بتجيلي على مدار شهور… وساعتها بس اكتشفت إن أمي عمرها ما بعتت الرسائل دي، وإن في أوراق ملكية لعقار قيمته تقرب من 7 مليون جنيه اختفت تماماً.
— ما ترجعنيش البيت ده يا بني… لو عرفت أنا فين، هتخلص على اللي بدأته.
دي كانت أول كلمات تقولها لي أمي بعد تقريباً سنتين ما شفتهاش فيها.
في اليوم ده، كنت لسه راجع القاهرة بعد شغل استمر شهور في أسوان. نزلت من الميكروباص قريباً من الموقف القديم ومعايا شنطة هدومي وشنطة كاملة فيها حاجات لأمي: فطير مشلتت، وعلبة شاي يانسون، وشال صوف تقيل لأنها كانت دايماً بتشتكي من البرد.
كنت متخيل إنها أول ما تشوفني هتأنبني وتعاتبني عشان غبت عنها كل ده.
بس على بعد شارعين من الموقف، شفت ست ماشية بالعافية بين المطبات والحفر.
كانت شايلة ست كبيرة على ضهرها.
الست كانت لابسة جاكيت بني مقطع، وبنطلونها مليان طين، وماسكة في إيدها كيس أدوية. والست الكبيرة كانت رجلها ملفوفة برباط ضاغط من ركبتها لغاية كعبها.
في حاجة في المشهد ده لمست قلبي وعصرته.
جريت خطوتي.
وفجأة الست لفت وشها.
حسيت إن روحي اتسحبت مني.
دي كانت مريم.
طليقتي.
الست اللي من سنتين اتهمتها إنها أنانية ومادية وما بتطيقش أمي.
الست اللي طلقتها وأنا معتقد ومقتنع إنها عاوزة تبعدني عن أهلي عشان تسيطر على الشقة اللي أبويا سابهالنا.
— مريم!
وقفت مكانها.
ولما بصيت على وش الست الكبيرة اللي على ضهرها، شنطة الهدايا وقعت من إيدي على الأرض.
— أمي؟
أمي، حاجّة فاطمة، كانت كبرت عشر سنين فوق سنها.
كانت خاسة جداً لدرجة إني بالعافية عرفتها. شفايفها ناشفة ومشققة، وعيونها داخلة لجوه، وفي زرقان وكدمات باينة على معاصم إيديها.
جريت عليهم.
— في إيه؟ إيه اللي جرى لك؟ أنتِ عيانة من إمتى؟
أمي ما ردتش.
حاولت أشيلها عشان أوقف عربية ونطلع على المستشفى، بس مسكت في رقبة مريم بمنتهى الخوف والرعب.
— مش عاوزة أرجع.
اتسمرت مكاني.
— ترجعي فين يا أمي؟
عينيها اتملت دموع.
— البيت.
البيت ده اللي عاشت فيه أكتر من ثلاثين سنة.
فسألت أول حاجة جت في بالي: