الأم والكنة – محمد نور
— ونيرة؟
نيرة دي مراتي الحالية.
الست اللي سبتها وأمنتها على أمي تاخد بالها منها وأنا مسافر بشتغل بره.
مريم بصلت في الأرض.
— المشارع مش مكان كلام يا طارق.
بصيت على كيس الأدوية وطلعت ورقة منه.
مستشفى القصر العيني.
الاسم: فاطمة عبد الرحمن.
تاريخ الدخول: من سبعطاشر يوم.
طلعت تليفوني بسرعة.
من ثلاث أيام بس، نيرة كانت باعتالي:
“ماما زي الفل والله، دي قامت النهاردة وسقت الزرع في البلكونة.”
ومن خمس أيام جالي مسج من رقم أمي:
“ما تشغلش بالك بيا يا طارق، خليك في شغلك وركز.”
وريت الشاشة لأمي.
أمي بصت للرسائل بنظرة عمري ما هنساه طول حياتي.
— أنا ما كتبتش الكلام ده.
جسمي كله قشعر.
— أمال مين اللي معاه تليفونك؟
جسمها بدأ يترعش.
مريم مسكتها وسندتها.
— بعدين يا طارق، مش وقت كلام.
— بعدين إيه؟!
أمي ضغطت على إيد مريم ووشوشتني بصوت طالع بالعافية:
— أوعى تقول لنيرة أنا فين.
النفس اتقطع من صدري.
مريم أخدتنا وطلعت بينا على أوضة متأجرة في حارة شعبية على أطراف الجيزة.
أول ما دخلت، شفت سرير واحد، وحصيرتين ملفوفين في الجنب، وعشرات علب الأدوية مرصوفة على ترابيزة بلاستيك.
— أمي عايشة هنا؟
— بقالها تقريباً ثلاث شهور.
— معاكي أنتِ؟
مريم هزت رأسها بالآه.
بصيت على الحصيرتين.
— وأنتِ بتنامي فين؟
— على الأرض.
على الترابيزة كان فيه فواتير مستشفى وأدوية تعدي الثلاثين ألف جنيه.
— مين دفع كل ده؟
مريم ردت وهي باصة بعيد:
— أنا.
ساعتها بس خدت بالي إن دبلتها الفضة القديمة اللي كانت دايماً شايلاها حتى بعد طلاقنا مش في إيدها.
— فين دبلتك يا مريم؟
سكوتها كان هو الجواب.
— بعتها لما أمك دخلت العناية المركزة.
اللسان اتعقد في بقي.
الست اللي كنت بلقبها بـ “خرابة البيوت” و”بتاعة فلوس” بعت آخر حاجة حيلتها من ريحة جوازنا عشان تنقذ حياة أمي.
أمي بدأت تعيط بكسرة.
— يا طارق… مريم ما لقتنيش عيانة بالصدفة.
رفعت كم جلابيتها بالراحة وورتني كدمة غامقة ومخيفة حوالين معصمها.
— هي اللي هربتني ونقذتني من البيت ده.
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
— من مين يا أمي؟
أمي غمضت عينيها والألم يعتصر وشها.
— من نيرة… وسامح.
سامح.
ابن عمي.
الراجل اللي طول عشرين سنة كنت بعتبره أخويا وسندي.
مريم بصت لي بحدة وقالت:
— ولو فاكر إن الملعوبة دي بدأت لما سافرت أسوان، تبقى غلطان.