الجزء الأول بعد سنتين من طلاقي، شفت مراتي القديمة شايلة أمي المريضة على ضهرها. "أبوس إيدك ما ترجعنيش البيت ده"، أمي اتوسلتلي وأنا واقف مصدوم. سكت خالص، طلعت التليفون وبصيت على الرسائل اللي كانت بتجيلي على مدار شهور... وساعتها بس اكتشفت إن أمي عمرها ما بعتت الرسائل دي، وإن في أوراق ملكية لعقار قيمته تقرب من 7 مليون جنيه اختفت تماماً. — ما ترجعنيش البيت ده يا بني... لو عرفت أنا فين، هتخلص على اللي بدأته. دي كانت أول كلمات تقولها لي أمي بعد تقريباً سنتين ما شفتهاش فيها. في اليوم ده، كنت لسه راجع القاهرة بعد شغل استمر شهور في أسوان. نزلت من الميكروباص قريباً من الموقف القديم ومعايا شنطة هدومي وشنطة كاملة فيها حاجات لأمي: فطير مشلتت، وعلبة شاي يانسون، وشال صوف تقيل لأنها كانت دايماً بتشتكي من البرد. كنت متخيل إنها أول ما تشوفني هتأنبني وتعاتبني عشان غبت عنها كل ده. بس على بعد شارعين من الموقف، شفت ست ماشية بالعافية بين المطبات والحفر. كانت شايلة ست كبيرة على ضهرها. الست كانت لابسة جاكيت بني مقطع، وبنطلونها مليان طين، وماسكة في إيدها كيس أدوية. والست الكبيرة كانت رجلها ملفوفة برباط ضاغط من ركبتها لغاية كعبها. في حاجة في المشهد ده لمست قلبي وعصرته. جريت خطوتي. وفجأة الست لفت وشها. حسيت إن روحي اتسحبت مني. دي كانت مريم. طليقتي. الست اللي من سنتين اتهمتها إنها أنانية ومادية وما بتطيقش أمي. الست اللي طلقتها وأنا معتقد ومقتنع إنها عاوزة تبعدني عن أهلي عشان تسيطر على الشقة اللي أبويا سابهالنا. — مريم! وقفت مكانها. ولما بصيت على وش الست الكبيرة اللي على ضهرها، شنطة الهدايا وقعت من إيدي على الأرض. — أمي؟ أمي، حاجّة فاطمة، كانت كبرت عشر سنين فوق سنها. كانت خاسة جداً لدرجة إني بالعافية عرفتها. شفايفها ناشفة ومشققة، وعيونها داخلة لجوه، وفي زرقان وكدمات باينة على معاصم إيديها. جريت عليهم. — في إيه؟ إيه اللي جرى لك؟ أنتِ عيانة من إمتى؟ أمي ما ردتش. حاولت أشيلها عشان أوقف عربية ونطلع على المستشفى، بس مسكت في رقبة مريم بمنتهى الخوف والرعب. — مش عاوزة أرجع. اتسمرت مكاني. — ترجعي فين يا أمي؟ عينيها اتملت دموع. — البيت. البيت ده اللي عاشت فيه أكتر من ثلاثين سنة. فسألت أول حاجة جت في بالي: — ونيرة؟ نيرة دي مراتي الحالية. الست اللي سبتها وأمنتها على أمي تاخد بالها منها وأنا مسافر بشتغل بره. مريم بصلت في الأرض. — المشارع مش مكان كلام يا طارق. بصيت على كيس الأدوية وطلعت ورقة منه. مستشفى القصر العيني. الاسم: فاطمة عبد الرحمن. تاريخ الدخول: من سبعطاشر يوم. طلعت تليفوني بسرعة. من ثلاث أيام بس، نيرة كانت باعتالي: "ماما زي الفل والله، دي قامت النهاردة وسقت الزرع في البلكونة." ومن خمس أيام جالي مسج من رقم أمي: "ما تشغلش بالك بيا يا طارق، خليك في شغلك وركز." وريت الشاشة لأمي. أمي بصت للرسائل بنظرة عمري ما هنساه طول حياتي. — أنا ما كتبتش الكلام ده. جسمي كله قشعر. — أمال مين اللي معاه تليفونك؟ جسمها بدأ يترعش. مريم مسكتها وسندتها. — بعدين يا طارق، مش وقت كلام. — بعدين إيه؟! أمي ضغطت على إيد مريم ووشوشتني بصوت طالع بالعافية: — أوعى تقول لنيرة أنا فين. النفس اتقطع من صدري. مريم أخدتنا وطلعت بينا على أوضة متأجرة في حارة شعبية على أطراف الجيزة. أول ما دخلت، شفت سرير واحد، وحصيرتين ملفوفين في الجنب، وعشرات علب الأدوية مرصوفة على ترابيزة بلاستيك. — أمي عايشة هنا؟ — بقالها تقريباً ثلاث شهور. — معاكي أنتِ؟ مريم هزت رأسها بالآه. بصيت على الحصيرتين. — وأنتِ بتنامي فين؟ — على الأرض. على الترابيزة كان فيه فواتير مستشفى وأدوية تعدي الثلاثين ألف جنيه. — مين دفع كل ده؟ مريم ردت وهي باصة بعيد: — أنا. ساعتها بس خدت بالي إن دبلتها الفضة القديمة اللي كانت دايماً شايلاها حتى بعد طلاقنا مش في إيدها. — فين دبلتك يا مريم؟ سكوتها كان هو الجواب. — بعتها لما أمك دخلت العناية المركزة. اللسان اتعقد في بقي. الست اللي كنت بلقبها بـ "خرابة البيوت" و"بتاعة فلوس" بعت آخر حاجة حيلتها من ريحة جوازنا عشان تنقذ حياة أمي. أمي بدأت تعيط بكسرة. — يا طارق... مريم ما لقتنيش عيانة بالصدفة. رفعت كم جلابيتها بالراحة وورتني كدمة غامقة ومخيفة حوالين معصمها. — هي اللي هربتني ونقذتني من البيت ده. حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. — من مين يا أمي؟ أمي غمضت عينيها والألم يعتصر وشها. — من نيرة... وسامح. سامح. ابن عمي. الراجل اللي طول عشرين سنة كنت بعتبره أخويا وسندي. مريم بصت لي بحدة وقالت: — ولو فاكر إن الملعوبة دي بدأت لما سافرت أسوان، تبقى غلطان. قربت من صندوق كرتون مستخبي تحت السرير. — الكابوس ده بدأ من قبل ما تطلقني أساساً. ولما شفت الحاجة اللي طلعتها من الصندوق، فهمت إن اللي على وشك أكتشفه هيطير عقلي ويهدم كل حاجة كنت بصدقها في عيلتي. وما كنتش لسه متخيل القذارة والنذالة اللي وصلوا ليها ممكن توصل لغاية فين. الجزء الثاني مريم حطت على الترابيزة دوسيه أزرق. جوه الدوسيه كان فيه صور ضوئية من أوراق شقة أمي، وإيصالات بنكية، وتوكيل رسمي عام صادر باسم سامح ابن عمي من يجي سنة كاملة. — الكلام ده مالوش أي معنى، — قلت وأنا مش مصدق — أمي عمرها ما تعمل توكيل لسامح يخليه يتصرف في الشقة. من على السرير، أمي فاطمة ردت بصوت مكسور: — عشان أنا عمر ما عملت له حاجة يا بني. حسيت بخنقة وقبضة في صدري. الشقة دي تقيمها يدخل له في يجي سبعة مليون جنيه. كانت كل حاجة حيلتنا والورث الوحيد اللي أبويا سابهولنا قبل ما يتوفى. بصيت على الإمضاءات. واحدة منهم كانت شبه إمضاءة أمي جداً. شبهها لدرجة تخوف. بس كان فيه فروق بسيطة قوي. مريم شاورت على تاريخ التوكيل: — في اليوم ده أمك كانت محجوزة في المستشفى بسبب التهاب شديد في الصدر. معايا صورة من الروشتة ودخول المستشفى في نفس اليوم والتاريخ. — أنتِ جبتي الأوراق دي كلها منين؟ — عشان بدأت أدور وأنبش وراهم من أول يوم لقيتها فيه. بصلتها باستغراب: — وليه ما كلمتنيش من الأول؟ — عشان هي اللي اترجتني ما أقولكش. أمي وطت رأسها في الأرض وقالت: — كنت خايفة ترجع وتدخل في وش مع سامح. سامح عارف مكان شغلك في أسوان، وعارف مواعيدك وكل كبيرة وصغيرة عنك. حطيت إيدي الاثنين على وشي ومسحت بعنف. طول الشهور اللي فاتت كنت بكلم نيرة مراتي تقريباً كل ليلة. عمرها ما قالت كلمة واحدة تخليك تشك في أي حاجة. — طيب... مين اللي كان بيرد عليا من تليفون أمي؟ أمي بلعت ريقها بالعافية: — نيرة خدته مني. حسيت بالدم بيفور في عروقي: — ليه؟ — كانت بتقولي أنتِ بتخرفي وبتقولي أي كلام، وأنك تعبان في شغلك ومش ناقص وجع دماغ. وبعدها بقت هي اللي بترد وتكتب بدالي. مريم طلعت ورقة تانية. كانت سكرين شوت لمحادثات. الرسائل اللي كانت بتجيلي على تليفوني كانت بتستخدم نفس الكلمات والأسماء اللي أمي بتستخدمها، بس عمرها ما ذكرت أي تفصيلة خاصة ما يعرفهاش غيري أنا وأمي. كل حاجة كانت متظبطة ومتفبركة صح عشان أطمن وما أفكرش أرجع. مسكت تليفوني وطلبت رقم نيرة. ردت بعد ثالث رنة. — طارق حبيبي! حمد الله على السلامة، وصلت؟ — أمي فين يا نيرة؟ سكتت لحظة. — في إيه يا طارق؟ في البيت طبعاً، تكون فين يعني؟ بصيت لأمي وهي نايمة قصادي على السرير: — متأكدة؟ — طارق، مالك؟ في إيه؟ — تليفونها فين؟ نفسها بدأ يعلى ويتغير: — مش عارفة... هي دايماً بتنسى حاجتها وبترميه في أي حته. — أنا بكره نازل الشقة عشان آخد أوراق الشقة والحسابات، وهفرغ كاميرات المراقبة اللي في الشارع. — ما تعملش مشاكل وتسمع كلام مريم وتخرب بيتك بإيدك! الكلمة دي جمدت الدم في جسمي. أنا أساساً ما جبتش سيرة إنني مع مريم ولا ذكرت اسمها. — وأنتِ عرفتي منين إنني مع مريم؟ نيرة قفلت السكة في وشي. محدش نطق بحرف لعدة ثواني. في نفس الليلة، مريم سحبت فلاشة صغيرة وادتها لي: — دي لقيتها مستخبية في وسط هدوم أمك. كان عليها تفريغ لكاميرا المراقبة اللي أنا كنت مركبها بنفسي في الصالة من سنين. في فيديو منهم كان سامح ابن عمي داخل الشقة. وفي فيديو تاني، أمي كانت قاعدة قصاده في الصالة. عليت الصوت للاخر. سامح كان بيزعق: — امضي بقى يا مرت عميخلصينا! طارق مش راجع، والشقة دي هتترمي وتتقفل! أمي ردت عليه بنشفان رأس: — الشقة دي بتاعت جوزي المرحوم، وبعده لابني. مش هبصم على حاجة. سامح قرب منها بخطوة تهديد. وفجأة التسجيل اتقطع وقفز قدام تسعتاشر دقيقة كاملة. ولما الكاميرا اشتغلت تاني... أمي كانت مرمية على الأرض. ونيرة ظهرت في الكادر وهي بتلم أوراق وورق صور كانت على الترابيزة. حسيت بمرارة ونفسي اتكتم. — الفيديو ده ملعوب فيه؟ مريم هزت رأسها: — الحتة دي المقطع بتاعها اتمسح مانيوال من على الجهاز. بصيت لأمي: — إيه اللي حصل في التسعتاشر دقيقة دول يا أمي؟ أمي غمضت عينيها والدموع نازلة: — سامح مسك إيدي بالعافية وكان عاوز يبصمني غصب. ونيرة كانت بتقوله لو ما عملتش كده، طارق هيفتكر إنها خرفت وكبرت ويخليها هي الوصية على كل حاجة. اتسمرت مكاني مش قادر أستوعب. بس مريم كانت لسه ما خلصتش. طلعت ظرف قديم من الشنطة. جواه كان فيه صور لمحادثات من اكتر من سنتين. افتكرت التواريخ دي كويس. دي الفترة اللي بيتي فيها اتخرب وزواجي من مريم بدأ ينهار. محادثات بين سامح ونيرة. في رسالة منهم نيرة كاتبة: "طارق خلاص اقتنع إن مريم طمعانة في الشقة وعاوزة تاخدها." وسامح يرد عليها: "سيبيه على عماه... طول ما مريم حاطة عينها على الشقة وقريبة من مرت عمي، مش هنعرف نتحرك خطوة." حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة. من سنتين، سامح ابن عمي هو اللي جه وقال لي إن مريم بتسأل كتير عن أوراق الملكية والعقود. ونيرة، اللي كانت وقتها مجرد جارة ومعارف للعيلة، هي اللي جابت لي رسائل متفبركة لمريم بتقول فيها إن أمي هتبقى "حمل تقيل" ومشكلا في مستقبلنا. أنا ساعتها ما دورتش ولا تحققت. صدقت كل الناس... وما صدقتش مراتي. بصيت لمريم: — كل ده كان ملعوب ومترتب؟ سكتت شوية وقالت: — مش عارفة نيرة كانت مخططة لإيه بالظبط من الأول، بس سامح كان لازم يطيرني من الشقة ومن حياتك. — ليه أنتِ بالذات؟ مريم شاورت على أمي: — لأني أول واحدة خدت بالي إن فيه أوراق وإيصالات ناقصة من البيت. قلبي بدأ يدق بسرعة: — ولقيتي إيه تاني؟ مريم فتحت بقها عشان تتكلم، بس أمي بدأت تعيط بصوت عالي: — قولي له يا مريم... قولي له كل حاجة. — تقولي لي إيه؟ مريم بصت في عيني بثبات: — السبب اللي خلي سامح مستعجل يطرد أمك من الشقة... مش بس عشان يبيعها. طلعت ورقة أخيرة. شفت اسم أبويا الله يرحمه من تمان سنين، واسمي، ومبلغ عمري ما شفته ولا تخيلته. ساعتها بس فهمت إن الشقة أبو سبعة مليون جنيه دي كانت مجرد قشرة من السر الكبير اللي كانوا مستخبيين وراه. ولما مريم شرحت لي إيه اللي كان مستخبي ورا العقود دي، عرفت إن الخيانة البشعة دي كانت أكبر بكتير من كل اللي اتخيلته. الجزء الثالث الورقة دي كانت عقد ابتدائى قديم لأرض كبيرة في طريق واحة سيوة/الساحل، أبويا كان شاريها من زمان. كنت فاكر إن الأرض دي اتباعت من سنين عشان نسدد مصاريف علاج أبويا. ده الكلام اللي سامح ابن عمي كان دايماً بيقوله لي. بس الحقيقة كانت غير كده خالص. أبويا كان شاري الأرض دي بالمشاركة مع أخوه (أبو سامح)، وبعدين قسموا الأرض بعقود رسمية. الجزء بتاع أبويا بقى مع الوقت جوة منطقة خدمات واستثمارات جديدة، وسعره حالياً يسوى ملايين الجنيهات. — ليه محدش قال لي على الأرض دي قبل كده؟ — سألت وأنا مذهول. أمي اتنهدت بتعب: — أبوك كان عاوز يقولك لما تخلص أقساط الشقة اللي اشتريتها. بس الموت كان أسرع. وأنا شلت العقود لأني ما كنتش بفهم في أوراق التسجيل والشهر العقاري. مريم كملت كلامها: — بس سامح كان عارف كل تفصيلة. ورتني صور من إيميلات واستشارات مع محامي واستعلامات عن قطعة الأرض. من سنين وسامح بيحاول يستولي على الأرض والشقة مع بعض، وكان محتاج توكيل عام مالي وإدارة من أمي. وطول ما مريم كانت معايا في البيت، المخطط ده ما كانش ينفع يكمل. لان مريم كانت بتراجع الإيصالات ومصاريف البيت، وبتروح مع أمي البنك، وبدأت تسأل سامح هو ليه كل شويه جايب أوراق ورسائل عشان أمي تبصم عليها. فتكرت خناقة كبيرة بيني وبين مريم من سنتين. يومها مريم دخلت عليا وهي شايطة: — ابن عمك بيخلي أمك تبصم على أوراق بيضاء ومش راضي يفهمها دي بتاعة إيه! أنا حتى ما رفعتش عيني من التليفون وقلت لها ببرود: — سامح بيساعدها في ورق المعاش والمصاريف. — لا! سامح بيخليها تبصم على ورق فاضي يا طارق! — أنتِ رجعتي لنفس النغمة والشكوك المريضة دي تاني؟ — طارق اسمعني أرجوك! رديت عليها بجملة لسه بتطاردني وبستحي من نفسي كل ما بفتكرها: — أمي محتاجة الحماية من ناس شبهك أنتِ، مش من ابن عمي اللي متربي معايا! في الليلة دي مريم نامت على الكنبة. وبعدها بثلاث شهور تم الطلاق. كنت فاكر نفسي وقتها البطل والمظلوم اللي بيحمي أهله. ودلوقتي، أنا واقف قدام الحقيقة اللي بتثبت إني طردت الإنسانة الوحيدة اللي كانت واقفة في وش الخراب. — ونيرة؟ كانت معاهم من الأول؟ — سألت مريم. مريم ووطت صوتها: — ما أقدرش أثبت إذا كانت الفكرة فكرتها من الأول ولا لا، بس الصور والمحادثات بتثبت إنها ساعدت سامح تقنعك إني ست مادية وبتاعة فلوس. نيرة كانت دخلت حياتنا على أنها صاحبة أخت واحد صاحبنا. كانت هادية، وودودة، ودايماً تبين إنها واقفه في صفي لما أختلف مع مريم. بعد الطلاق، بقت تتصل بيا تسأل عليا وتسمعني. كانت بتقولي: "أنت تستاهل واحدة تصونك وتصون أهلك وتحترمهم." وبعد تمان شهور اتجوزنا. دلوقتي، كل ذكرياتي معاها بقت زي السم. — أنا طالع على الشقة بكره، — قلت بثبات. — ما تروحش لوحدك، — مريم قالت لي. لو من سنتين، كنت هعتبر كلامها ده قلة أدب وتدخل. بس المرة دي، كلمت محامي، وطلبت من جارنا الكبير والمحترم ييجي معانا عشان كل حاجة تتم بالقانون. تاني يوم الصبح، دخلنا الشقة. نيرة أول ما شافتني داخل ومعايا مريم والمحامي، وشها اصفر وبقت ترتعش. — إيه ده؟ هي لحقت تملى دماغك بالأوهام والإشاعات؟ ما رديتش عليها. دخلنا جوة. أمي كانت قاعدة عند الجارة تحت عشان صحتها ما تستحملش أي خناق. أول حاجة لاحظتها إن الخزنة الصاج الصغيرة اللي أمي بتشيل فيها ورقها مش موجودة. — فين الخزنة يا نيرة؟ — مش عارفة... — والأوراق والعقود؟ — اسأل أمك! صوتي علي وغضبي طلع: — أمي بقالها ثلاث شهور عايشة في أوضة متأجرة في حارة! أنتِ بتتكلمي عن إيه؟! نيرة اتخرست وما نطقتش. دخلت أوضة أمي، وفتحت الدولاب، ولقيت في درج وراني إيصالات أمانة باسم سامح، وكارت بنك قديم لأمي، وورق كتير فيه تجارب لإمضاءة أمي وبصمتها! كانوا بيتدربوا على تزوير توقيعها! نيرة بدأت تعيط بانهيار: — والله ما أنا! ده سامح! — وأنتِ كنتِ بتعملي إيه وهو بيبتلع ست عندها سبعين سنة؟! — أنا كنت خايفة! ضحكت بكسرة ومرارة: — خايفة؟! — هو كان بيقولي إن ده حقهم وإن أمك كبرت وخرفت وإنك موافق على كل حاجة! — ولما وقعت على الأرض وغمي عليها؟ إيه اللي حصل؟! نيرة وطت رأسها في الأرض: — كانت غلطة... وقعت غصب عنها. مريم كانت هتقرب منها بس أنا وقفتها. ما كنتش عاوز خناق وشوارعية، كنت عاوز الحقيقة كاملة. — مين اللي كان بيبعت المسجات من تليفون أمي؟ نيرة سكتت ثواني وهي بتترعش: — أنا... حسيت كأن حد ضربني بسكينة في صدري. — بقالك قد إيه بتعملي كده؟ — شهور... — ليه؟ — عشان سامح قال لو رجعت قبل ما نخلص البيع والتوكيل، كل حاجة هتبوظ. — بيع إيه؟! نيرة زادت في العياط: — بيع الشقة... والأرض. هي دي بقى الحقيقة. القضية ما كانتش مراعاة ست كبيرة ولا "ترتيب أوراق". كانت سرقة عيني عينك قبل ما أرجع وأكتشف الملعوبة. المحامي خد الأوراق والتسجيلات والتزوير، وكل المحادثات والمستندات، وركبنا البلاغات الرسمية في النيابة. ما كانش فيه معجزات ولا حلول سحرية في يوم وليلة. كان فيه تحقيقات، وتفريغ كاميرات، واستدعاءات، وخبراء تزوير خطوط. وده كان أصعب جزء... إنك تكتشف إن الخيانة مش بتبدأ ولا بتنتهي بكلمة، دي ليها تبعات وثمن غالي بيتدفع. نيرة اعترفت في التحقيقات إنها استخدمت تليفون أمي وخبّت عني حالتها الصحية، وإنها كانت عارفة بموضوع التوكيل والتزوير. علاقتي بيها انتهت في نفس اليوم. مش انتقاماً، بس لأنه ما بفضلش أي أرضية يتبنى عليها كلام اسمه "ثقة". وسامح دخل في موال قضايا التزوير والنصب والاستيلاء على أموال قاصر وكبار السن. سامح ابن عمي اللي كبرت معاه وكنت بعتبره أخويا... بقيت بشوفه مجرد غريب ونصاب. بس كل ده ما كانش هيصلح أهم حاجة... أمي... ومريم. أمي قعدت أسابيع تتعالج من الجفاف وسوء التغذية والكدمات. مريم كانت بتيجي المستشفى كل يوم الصبح بدري قبل ما أنا أوصل. تجيب لها أكل خفيف، وفاكهة، وعصير. في يوم، شفت مريم بتسرح شعر أمي عند الشباك. وقفت عند الباب وبصيت عليهم. زمان، كنت فاكر إني لو شفت مريم تاني هطالبها بتوضيحات وأعاتبها. دلوقتي، أنا اللي واقف ومحتاج أطلب العفو. — مريم... لفت وشها ليا: — نعم يا طارق؟ — أنا آسف... حقك عليا. — ما فيش داعي للكلام ده دلوقتي. — لا، فيه داعي. قربت منها وقلت: — لما جيتي تحذريني من سامح، قلت عليكِ طمعانة. ولما قلتي إن أمي في خطر، قلت بتخرّبي بيتي. ولما وروني الرسائل المتفبركة، صدقت الشاشة وما صدقتكيش أنتِ. سكتت خالص. — والأوسخ من ده كله... إني ما ديتكيش فرصة تدافعي عن نفسك. مريم بصت لأمي وقالت بصوت واطي: — أنا كمان أغلطت في جوازنا يا طارق. — أنا مش بتكلم عن أخطائك... أنا بتكلم عن جريمتي أنا في حقك. دمعتين نزلوا من عين مريم بالراحة. — عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ — سألتني. هزيت رأسي بـ لا. — مش إنك طلقتني... اللي وجعني إنك بعد تمان سنين جواز، افتكرت إني ممكن أؤذي أمك عشان خاطر شقة أو فلوس. ما لقيتش رد أقوله. أنها كانت صح. — أنا عمري ما طمعت في شقتك، ولا أرضك، ولا فلوسك... أنا كل اللي كنت عاوزاه إنك تسمعني. وطيت رأسي في الأرض: — أنا عارف دلوقتي... — للأسف عرفت متاخر. الكلمة دي هتعيش معايا طول عمري. أمي بعد ما خرجت من المستشفى ما رضيتش ترجع الشقة القديمة. — أنا بخاف أنام هناك يا بني، — قالتلي. أجرت لها شقة صغيرة هادية قريبة من عيادة العلاج الطبيعي. ورجعت لمريم كل جنيه دفعته في علاج أمي والمستشفى. في الأول رفضت شديد: — أنا ما عملتش كده عشان آخد منك فلوس. — عارف يا مريم... بس دي مصاريف أمي وأنا المسئول عنها، وده حقك. وبعد تحايل قبلت الفلوس. بس الدبلة الفضة اللي باعتها... عمرها ما هترجع. لما سألتها لو تحب أشتري لها واحدة غيرها، ابتسمت بحزن وقالت: — لا يا طارق... الدبلة دي كانت بتاعة حياة تانية وانتهت. اتوجعت، بس فهمت. مش كل حاجة اتكسرت ينفع تترمم وتجلس زي الأول. عدت شهور على الموضوع ده. صحة أمي تحسنت كتير ورجعت تمشي وتضحك تاني. مريم لسه بتزورها، وأوقات بيطبخوا سوا، وأوقات بيتخانقوا على الملح في الأكل زي زمان. أنا بقعد أراقبهم من بعيد. ما نعرفش إيه اللي ممكن يحصل بيني وبين مريم في المستقبل. مش هضحك عليك وأقولك إننا رجعنا لبعض وكل حاجة بقت تمام والقصة انتهت بنهاية سعيدة. الحياة مش فيلم سينما. مريم بتحاول تتعلم تضمن وتثق تاني... وأنا بتعلم إني ما أخلطش بين العيلة والولاء الأعمى. يمكن ما نرجعش لبعض أبداً كزوج وزوجة... وده حقها ولازم أحترمه. لأن الاعتذار بيعترف بالذنب، بس ما بيجبرش حد يرجع للمكان اللي اتجرح فيه. من فترة، كنت باخد أمي للعيادة، ومريم كانت مستنيانا بره. أمي تعبت في المشي، فجيت أشيلها على ضهري. أمي ضحكت بصوت عالي وقالت: — جيت أهو افتكرت تشيلني يا طارق؟ ضحكنا إحنا الثلاثة... بس عيني اتملت دموع. افتكرت اليوم ده في الموقف... مريم وهي شايلاها على ضهرها، والهدوم المليانة طين، وكيس الدواء... والجدعنة اللي ما تنتميش لأي مصلحة. لو الباص بتاعي يومها اتأخر ساعة واحدة... ما كنتش هشوفهم أبداً. كنت هرجع البيت، ونيرة هتألف قصة تانية، وكنت هعيش باقي عمري مغفل ومصدق الكذبة. طول سنتين كنت فاكر إن مريم هي اللي خربت حياتي... لكن الحقيقة إنها الإنسانة الوحيدة اللي شالت أمي على ضهرها، وباعت آخر حاجة حيلتها عشان تنقذ حياتها، ونامت على الأرض عشان أمي تنام على سرير... وسكتت وتحملت ظالمي ليها. الشقة والأرض والأوراق كل ده أوهام وفلوس بتروح وتيجي. لكن الخسارة الحقيقية اللي اتعلمتها... إنك تخسر إنسان كان بيقولك الحقيقة وأنت اخترت تصدق الكدابين. أمي قالتلي جملة من يومين ومش بتروح من بالي: — يا بني... فيه ناس بتطلع من حياتك كزوج أو زوجة أو صاحب... بس عمرهم ما بيطلعوا من أصلهم ونضافتهم. وبعدين مسكت إيدي وقالت: — وأنت اتعلم درس يا طارق... أوعى تحكم مين صح ومين غلط وأنت مش سامع غير اللي صوته عالي ومزوق كلامه. الكلمة دي محفورة في قلبي. كنت فاكر إن حماية عيلتي يعني أدافع عنهم حتى لو غلطانين. دلوقتي عرفت إن الحماية الحقيقية إنك تبص جوه بيتك بشفافية وتشوف المعوج وتصلحه... وأهم حاجة: إنك تسمع اللي بيحبك بجد. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد