دولاب الاسرار – محمد نور
جواه كان فيه جواب أصفر مقفول مكتوب عليه: (لابنتي ياسمين).
كتبته الأُم قبل ما تموت بأيام.
كان مكتوب فيه:
”يا ياسمين يا بنتي.. أبوكي بيغلط، بس كبريائه وسواسته أكبر من إنه يعترف. أوعي تخلي قسوته تقنعك إنه مبيحبكيش. أنا شلتلك في الدولاب ده ريحة عيلتنا.. وساعات الراجل بيحتاج يفتكر هو كان مين قبل ما الفلوس تعميه. لما اليوم ده ييجي، أوعي تسيبيه لوحده، وبصي لأبوكي بعين الرحمة.”
وكان جوه الجواب.. جواب تاني مقفول ومكتوب عليه: (لـ سليمان).
لما الحاج سليمان عرف بالصدفة إن طارق هو اللي بيبعتله الأكل وهو اللي مشغّل ابنه جاسر عنده، طلب يروح الورشة بنفسه.
جِه يتوكأ على عكازه، وشايل طاقيته القديمة في إيده. أول ما دخل وشاف ابنه جاسر لابس عفار الشغل وبيصنفر في خشبة بكل احترام، وشاف الحفيد بيوجه العمال.. وبعدين بص شاف “ياسمين”.
— «أنتي نسخة من أمك يا ياسمين..» —قالها وصوته بيتخنق.
— «بس أمي كانت بتعرف تسامح قبلي يا بابا..»
الحاج سليمان عينيه اتملت دموع ونزل على ركبه في الأرض: «أنا أستاهل الجزم.. مأستاهلش إنك تبصي في وشي.»
ياسمين جريت عليه ونزلت للتراب وحضنته، مش عشان نسيت، بس عشان تعبت من شيل الزعل.
طارق أخد الحاج من إيده ومشاه للغرفة الجوانية.. وهناك كان الدولاب بيلعلع تحت النور أكنه لسه طالع من المعرض النهاردة!
الحاج سليمان اتسمر مكانه.. مشي يدوب بالعافية، حط إيده على المشربية المحفورة وقعد يعيط بصرخة مكتومة: «يا أمينة!..»
التفت لطارق وقال بسؤال مكسور:
— «ليه احتفظت بيه يا طارق؟ أنا رميته في الزبالة.. ورَميتك أنت كمان!»
طارق رد بهدوء: «أنا مكنتش بعمله عشانك يا حاج.. أنا عملته عشان ياسمين. ده كان آخر حبل فاضل لها من ريحة أمها.»
ياسمين إدته جواب المرحومة. الحاج سليمان قرأ خط مراته، والدموع نازلة تغرق الجواب، وهي بتفكره بأيام ما كانوا بيتقاسموا رغيف العيش الحاف تحت الشجر، وبتقوله: “أوعى تخلي الخوف من الفقر يحولك لراجل معندوش قلب.”
الحاج اتأسف لطارق وجاسر وياسمين، وطارق قومه من الأرض وقال حكمة الورشة:
— «يا حاج.. الخشب المرمم بيفضل فيه مكان السوس أو الشرخ القديم.. مبيتمسحش، لأنه بقى جزء من تاريخ القطعة.. بس الفكرة إنه بيقدر يقف على حيله تاني ويشيل!»