حمايا ٢ _ منى السيد
السطر اللي ظهر على شاشة الموبايل كان عامل زي صاعقة كهربا نزلت في نافوخي.. طارق تحت؟ ومعاه البوليس؟!
إيديا اتجمدت على الشاشة لثواني، عقلي مكنش قادر يستوعب هو ده حلم ولا حقيقة ولا كمين جديد من كمائنهم. بس الصوت اللي طلع من السلم برة كسر جمودي في لحظة؛ حمايا لما الكشاف نور في وشه اتفزع زي الحرامي اللي اتقفش متلبس، إيده فلتت المفتاح الغريب اللي كان بيحاول يدخله في الكالون، ورن المفتاح على البلاط رنة حديد كشفت المستور، وشيرين شهقت بصوت مكتوم وهي بتشد حمايا من دراع جلابيته يا مصيبتي يا عمي! النور جه منين؟! الكشاف ده محطوط هنا من إمتى؟!
حمايا كان وشه أصفر زي الليمونة، عينه مبرقة وهو باصص لعدسة الكشاف الصغير اللي مداري ورا ماسورة الغاز، وبيتلفت يمين وشمال كأنه بيدور على عفريت. همس بصوت بيترعش من الغل والرعب انزلي.. انزلي شقتك بسرعة ومتقوليش ولا حرف! البت الفاجرة دي حاطة حاجة فوق الباب!
لكن قبل ما رجل حمايا تلحق تلمس أول درجة سلم نازلة، اتهزت العمارة كلها بصوت رزعة باب المدخل الحديد تحت، صوت رزعة عنيفة رنت في بير السلم كله، وبعدها على طول صوت خطوات تقيلة وسريعة بتجري على السلم من تحت لفوق، خطوات أكتر من شخص، وجزم ميري بتخبط في البلاط الرخام بعنف.
وصوت طارق.. صوته اللي حفظاه من سنين، طالع من تحت زاعق ومبحوح ومليان غضب وقهر اقف مكانك يا حج! والله العظيم خطوة تانية لتحت ما هتحصلك طيب!
شيرين صرخت صرخة رعب رنت في أرجاء العمارة كلها، وحمايا اتسمر مكانه على السلم بين الدور التاني والتالت، العكاز وقع من إيده ودحرج على الدرج، وشه كان مفزوع لدرجة إن شفايفه كانت بترتعش ومش طالع منها أي صوت.
أنا من ورا الباب، كنت شايفة كل ده لايف على شاشة الموبايل القديم اللي متثبت قصاد العين السحرية، الفيديو كان بيسجل كل همسة وكل نفس وكل حركة. صوابعي اللي كانت بتترعش اتحركت على ترباس الباب، شيلته براحة، وفتحت القفل، وشديت الباب على وسعه.
المشهد برة كان يفوق أي تخيل حمايا واقف على السلم، مائل بضهره على الحيطة وعينه زايفة، وشيرين لازقة في حلق باب شقتها في الدور التاني، ضامة جلابيتها عليها ومرعوبة، وعلى السلم الطالع كان طارق.. طارق بجسمه الشقيان، وشه شاحب ومرهق من عناء السفر والمطارات، لابس نفس هدوم السفر الشتوية الخفيفة ومعاه شنطة ضهره مرمية على كتف واحد، وجنبه أمين شرطة ببدلته الميري، وظابط مباحث شاب وراه اتنين عساكر شايلين أسلحتهم.
أول ما عيني جت في عين طارق، كل الوجع وكل الرعب وكل ليالي الضلمة اللي عشتها مع عيالي انفجروا في صرخة واحدة أهو يا طارق! أهو الراجل اللي بيقطع عني النور عشان ييجي يفتح بابي في أنصاص الليالي! أهي الشريفة العفيفة اللي كانت بتصور حماها في الضلمة عشان تلبسني مصيبة في شرفي!
طارق طلع السلم خطوتين بخطوتين، عنيه كانت حمرا دم كأنه منامش بقاله أسبوع. بص لأبوه، بص للمفتاح اللي مرمي على الأرض قدام عتبة شقتي، وبص للتليفون اللي في إيد شيرين، وشه كان بيتحول من الذهول للغضب الأعمى، إيده كانت بتترعش وهو بيشاور على المفتاح اللي على الأرض ده مفتاح إيه يا حج؟ ده مفتاح شقتي أنا ونادين؟ المفتاح اللي كنت سايب نسخته معاك أمانة عشان لو حصل طوارئ في غيابي؟! إنت بتعمل بيه إيه هنا في الضلمة دي وقدام باب مراتي بعد نص الليل؟!
حمايا اتلعثم، لسانه ثقل، وحاول يستجمع جبروته المصطنع، رفع راسه وقال بصوت مهزوز مش قادر يداري الفضيحة طارق.. يا ابني إنت اتجننت؟ إنت جايب الحكومة على أبوك في نصاص الليالي عشان كلام فارغ؟ دي.. دي كانت حركة عشان أربيها! عشان أضبطها متلبسة مع اللي بيطلعلها هنا كل ليلة!
مين اللي بيطلعلها يا كداب؟! الكلمة طلعت من زوري زي الرصاصة. مكنتش خايفة خلاص، الخوف مات في اللحظة اللي شوفت فيها طارق واقف بضهره ليا وشه ليهم. روحت شديت الموبايل القديم من ورا الباب، وشديت كشاف السنسور من ورا ماسورة الغاز، ونزلت درجتين ووقفت جنب طارق شوف يا حضرة الظابط.. شوف يا طارق الكاميرا دي مسجلة إيه من أسبوعين لحد اللحظة دي! شوف مين اللي كان بيطلع، ومين اللي كان بيفصل الكهربا من تحت، ومين اللي ركب كاميرا مراقبة فوق بابي عشان يلفقلي فيديوهات!
ظابط المباحث قرب بهدوء محترف، شاور لأمين الشرطة حرز المفتاح ده يا بني من على الأرض، وهات التليفون اللي في إيد الست دي. شيرين رجعت لورا خطوة وصرخت بهستيريا تليفون مين؟! محدش يلمس تليفوني! ده بيت عيلة وده حمايا ودي مشاكل عائلية ملكوش دعوة بيها! الظابط رد ببرود حاسم ونبرة مفيهاش هزار مشاكل عائلية لما تضربوا بعض بالقلم، إنما لما يتفتح بلاغ رسمي عن شروع في اقتحام وشبهة ابتزاز وتلفيق تهمة وتركيب كاميرات مراقبة غير مرخصة تكشف حرمة منزل بدون إذن نيابة، ده شغلنا إحنا. هاتي التليفون بهدوء عشان منعملش مشهد ميعجبكيش في الحارة كلها.
شيرين رمت التليفون على السلم وهي بتعيط وتندب والله ما أنا! والله العظيم عمي هو اللي قالي! هو اللي كان عايز يطفشها عشان الشقة تفضى لمرتضى أخوك ولعيالي! هو اللي جه وقالي البت دي لازم تخرج بفضيحة عشان طارق يرمي عليها اليمين ومياخدش عياله ولا يدفع مليم مؤخر ونفقة! هو اللي خطط لكل ده وأنا يدوب كنت بنفذ كلامه!
الكلام نزل على طارق زي الصاعقة اللي شلت أركانه. طارق ساب الحيطة وقرب من شيرين بخطوة مرعبة، صوته كان كأنه طالع من بير عميق عشان الشقة؟! عشان شقة طوب وأسمنت، تبيعي شرف أخو جوزك، وتخوضي في عرض واحدة شايلاك في عينها ومستحملاكي؟! وتعملوا فيها كده وتسيبوا عيالي.. كرمة اللي لحمها لسه طري ويونس الصغير.. في الضلمة والحر والعطش أسبوعين كاملين؟!
حمايا بص في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أشوف الراجل اللي كان صوته بيهز العمارة كلها، الراجل اللي كان بيتباهى بالسبحة والصلاة في أول صف، مكسور ومنكس راسه في الأرض زي الحرامي الرخيص. حاول يمسك في هدوم طارق يا طارق يا بني.. استهدى بالله، إنت هتصدق الغريبة وتكدب أبوك؟ أبوك اللي شقي عليك ورباك؟! أنا كنت خايف عليك.. خايف من الوحدة والفتنة في غيابك!
طارق نفض إيد أبوه من على هدومه بقوة خلت حمايا يترنح ويسند على درابزين السلم. كانت دي أوجع لحظة.. اللحظة اللي الابن بيكتشف فيها إن الملاك اللي كان بيعبده على الأرض طلع هو الشيطان اللي بيطعنه في ضهره. فتنة إيه يا حج؟! فتنة منين