باعت آخر هاتف معها- محمد نور

كان الطفل ذا شعر داكن وابتسامة أكبر من جسده الصغير.

انتهت البطارية.

نظرت إلى العنوان المسجل:

شارع المرور.

خمس عشرة دقيقة من هنا.

فتح سائقي باب السيارة:

— إلى المخزن؟

— لا.

— إلى أين إذن؟

— الصيدلية.

عثرت على الدواء بالاسم المدون على الإيصال.

بخاخ إسعافي وحقن لجهاز التبخير.

كان السعر الإجمالي يتجاوز ألف درهم.

ولم يكن مع مريم سوى ستمائة.

في عالمي، لا يشتري هذا الفارق زجاجة عصير فاخرة.

أما بالنسبة لها، فقد كان الفارق بين أن تسمع أنفاس ابنها، أو أن تتصل بالإسعاف بعد فوات الأوان.

رفضت الصيدلية تسليمي الدواء.

وكان معهم الحق.

فلست أباه، ولا وليه، ولا طبيبه.

لذا تركت بطاقتي:

— عندما تأتي، احسب كل شيء عليّ.

قرأ الصيدلي اسمي ونظر إلي بشك:

— لماذا؟

— لا أعلم.

وكانت تلك هي الحقيقة.

انتظرت في السيارة أمام الصيدلية.

خمس دقائق.

عشر.

خمس عشرة دقيقة.

لم تظهر مريم.

اتصلت بمحل الرهونات:

— هل قالت إلى أين هي ذاهبة؟

— لا.

— هل تلقت أي رسالة قبل أن تبيع الهاتف؟

تردد الموظف:

— نعم.

— ماذا حدث؟

— انخطف لون وجهها.

— هل قرأت الرسالة؟

— لا.

— هل كان هناك أحد ينتظرها في الخارج؟

— لم أرَ أحداً.

هناك أمر مريب.

أعطيت العنوان لسائقي.

وحين وصلنا إلى شارع المرور، كان المطر يشتد.

كان البناء قديمًا، بحجارة داكنة وسلالم حريق صدئة.

وشاحنة نقل أثاث تسد نصف الشارع.

وعلى الباب ورقة حمراء:

تنفيذ إخلاء.

كانت مريم تقف على الرصيف، تحمل طفل الصورة بين ذراعيها.

ورجل بمعطف بني يحمل ملفاً.

كان يقول لها:

— أخذتِ ما يكفي من الوقت.

— أحتاج فقط إلى الغد.

— عليك متأخرات ثلاثة أشهر.

— ابني كان في المستشفى!

— هذه ليست مشكلة المالك.

كان الطفل يتنفس بصعوبة.

لم يكن سعالاً، بل خريراً قصيراً ومكتوماً.

بدأت مريم تبحث في جيوبها، فلم تجد سوى النقود القليلة.

قال الطفل:

— أمي… لا أستطيع التنفس.

تغيرت ملامح وجهها بالكامل:

— انظر إلي يا يوسف… تنفس ببطء.

أشار الرجل إلى الرصيف:

— كل ما في الداخل سيخرج اليوم.

— جهاز التبخير الخاص به في تلك الصندوق!

— إذن خذيه.

— إنه مغلق عليه في الشقة!

— لم تعد هذه شقتك.

حاول الطفل التنفس مجدداً.

رفعت مريم رأسها بقلة حيلة، وفي تلك اللحظة تذكرت أنها لم تعد تملك هاتفاً.

كان الوسيلة الأخيرة التي يمكنها بها الاتصال بالإسعاف تقبع في يدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *