باعت آخر هاتف معها- محمد نور
— ماذا كان بداخله؟
— عقد الزواج، صور من التأمين، أوراق السيارة.
— وهل كان فيه شيء يخص عمله؟
— ليس حسب علمي.
— وحدة تخزين USB مثلاً؟
نظرت إليّ متعجبة:
— لماذا تسأل عن هذا؟
— لأنه إن كان هناك من اقتحم الشقة بعد وفاته ليأخذ صندوق الأوراق، فهو كان يبحث عن شيء محدد جداً.
بدأت مريم ترتجف:
— لا أريد الخوض في هذا.
— أعلم.
— أريد فقط أن يتنفس ابني.
— أعلم.
— وأريد أن أعمل.
— أين؟
— كنت أنظف المكاتب ليلاً.
— والسابق؟
— طُردت قبل ثلاثة أسابيع.
— لماذا؟
— لأنني غبت يومين عندما كان يوسف في الطوارئ.
أغمضت عينها وقالت:
— كل شيء بدأ ينهار دفعة واحدة.
— وهذا بالتحديد ما يثير قلقي.
— ماذا تقصد؟
— ربما لم يبدأ بالانهيار تلقائياً… بل هناك من دفعه للانهيار.
لم تقل مريم شيئاً.
في تلك اللحظة اتصلت مي:
— هناك مطبات يا سليم.
— أخبريني.
— “شركة الميناء للائتمان” تلاحقها ثماني قضايا مفتوحة وخمسة تسويات سرية خلال العام الماضي.
— والسبب؟
— تحصيل تعسفي، وثائق غير قانونية، وتلاعب بالفوائد.
— والمرشدي؟
— اسمه لا يظهر مباشرة.
— لا يظهر أبداً كالعادة.
— وهناك المزيد.
— واصلي.
— القرض المزعوم باسم مريم الخالد أُنشئ بعد تسعة أيام فقط من وفاة زوجها راشد.
— راشد؟
— نعم… المبلغ الأصلي أربعون ألفاً، ثم أضيفت عليه رسوم وغرامات وفوائد ليصبح ثمانية وستين ألفاً (250,000 درهم).
— والإيداع؟
— هنا المفاجأة.
— ماذا؟
— لا يوجد أي أثر لإثبات تسليم المبلغ لمريم.
أكد هذا ظنوني:
— إذن هو دين وهمي.
— على الأرجح.
— ومن استلم المال؟
— أنا أتعقب أثره الآن.
كانت مريم تنظر إليّ بوجل:
— ماذا تقول؟
لخصتُ لها الأمر، فتغيرت ملامح وجهها… لم يكن ارتياحاً بل غضباً عارماً:
— حُرِمْتُ من التأمين بسبب قرض لم أستلمه قط؟!
— يبدو ذلك.
— ومن فعل هذا؟
— لا أعلم بعد.
— أريد أن أبلغ الشرطة!
تفاجأتُ من شجاعتها:
— ممتاز.
— ولماذا تقول ممتاز؟
— لأن بعض الناس حين يخافون يفضلون غض البصر.
— أنا قضيت ثمانية أشهر دون أن أنظر خلفي لأنني كنت مشغولة بتأمين طعام ابني!
أصابتني كلماتها في مقتل:
— لم أكن أنتقدكِ.
— لكنها بدت كذلك.
— معكِ حق.
تأملتني وقالت:
— لا تبدو رجلاً يعتاد قول هذه الكلمة.
— لا أقولها كثيراً بالفعل.
— ربما عليك أن تتدرب عليها.
ابتسمتُ مجدداً:
— ربما.
وصلت الوثائق الأولى إلى الشرطة المالية في اليوم التالي. أصرت مي على إدارة الأمر بالطرائق القانونية المباشرة؛ لا اقتحامات للمكاتب، ولا تهديدات، ولا “حلول” على طريقتي الخاصة.