عودة الابن الضال
فادية فضلت واقفة في مكانها ورا باب الخزين، كاتمة نفسها بإيدها والشنط البلاستيك التقيلة في إيد ابنها كريم معلمة في صوابعه.
«يا أمي! إنتي هنا؟» كريم نده بصوت عالي وهو بيقفل باب الشقة وراه.
فادية ضغطت على بوقها أكتر، لدرجة إن صوابعها وجعتها.
قبل كل ده، فادية عاشت خمس سنين لوحدها بعد ما جوزها جلال مات فجأة. جلال كان من النوع اللي بيكتم جواه ومبيشتكيش، لحد ما قلبه وقف فجأة وراحل في ثانية.
السنة الأولى من غيره كانت كابوس، مش عشان الحزن بس، فادية ست شديدة وبتستحمل، بس السكوت اللي حل في البيت هو اللي كان هيجننها. جلال كان لما يتفرج على التلفزيون صوته بيبقى جايب لآخر الشارع، وضدحكته بتسمع في المطبخ.
حتى لما كان يدخل الحمام، كان بيغني بصوت وحش أوي ويلخبط في الكلمات واللحن ولا همه. بعد ما مات، الحمام مبقاش يطلع منه غير صوت مواسير المية، والصوت ده كان بيعملها وش في دماغها من كتر الهدوء.
بنتها منى جت جري من الإسكندرية أول ما سمعت الخبر، وقعدت معاها أسبوعين؛ تنظف، تطبخ، وتقعد بالليل على طرف السرير جمب أمها من غير ما تطلب حاجة. وجودها كان بيطمن.
لكن كريم مجاش، ولا حتى سأل بعدها. كريم غاب ١١ سنة كاملة، وفادية بطلت تبرر غيابه قدام الناس، بس بينها وبين نفسها كانت بتعيد الحكاية في دماغها زي الشريط السير المكسور.
حكاية مشيانه كانت وجع قلب، زي أي حقيقة بنحاول نداريها تحت السجادة. كريم من صغره كان طفل متعب، عصبي وبيدخل في نوبات غضب من أقل حاجة. في المدرسة كان يادوب بيعدي، وفي سنة سادسة ابتدائي سقط وعاد السنة، وحتى بعد كده كان بيجيب مقبول بالعافية.
أخته منى كانت العكس تماماً؛ هادية، مطيعة، ومبتجبش غير امتياز. كريم كان دايماً غضبان من أخته، وبيبرطم على أي كلمة تتقال له، وجلال ساعات كان بيفقد أعصابه معاه رغم إنه كان بيحاول يمسك نفسه على قد ما يقدر.
لما كريم تم ١٩ سنة، جلال بعته يقضي الصيف عند أمه، الحجة خديجة، في بلد صغيرة في الأرياف تابعة للشرقية. جلال قال يسيبه هناك يشتغل بإيده ويتعلم الشقا، ويبعد عن مرقعة القعدة في القاهرة.
الحجة خديجة كانت ست دغري ولسانها حامي، ومبتعرفش تخبي حاجة في قلبها. في يوم كريم بوظ حاجة في الأرض، راحت زعقت فيه وقالت له بغشم:
«وهنستنى إيه يعني من عيل لقطة وجايبينه من الشارع؟»