عودة الابن الضال

كريم رجع القاهرة في نفس اليوم. حط شنطته في الطرقة، ودخل المطبخ، قعد على الكرسي وسأل بصوت واطي وهادي يخوف:

«الكلام ده صح؟»

فادية بصت لجلال، وجلال بص لها.

هم كانوا ناويين يحكوا له بنفسهم لما يكبر ويفهم، بس كل شوية كانوا بيأجلوا ويقولوا لسه بدري، لما ينضج شوية.

«صح يا كريم»، فادية قالت له. «إحنا خدناك من دار أيتام وأنت عندك تمن شهور. كنت عيل صغيّـر وبتصرخ لدرجة إن الأوضة كلها كانت مقلوبة، بس أول ما شفتنا سكت وفضلت تبص في عيني.. ساعتها قلت لجلال: الواد ده ابننا، بتاعنا إحنا وبس».

كريم قام ودخل أوضته وقفل الباب. فادية وجلال فضلوا قاعدين في المطبخ لحد نص الليل يتكلموا في أي حاجة وكل حاجة، إلا الموضوع ده، لأنهم مكنوش عارفين يقولوا إيه.

بعدها بكام يوم، كريم اختفى. أخد الفلوس اللي كانوا محوشينها له عشان يشتروا له شقة صغيرة لَمّا يتجوز. كانوا عايزين يعملوا له مفاجأة على أول السيزون، بس هو غفلهم وأخدها ومشي.

جلال مكنش بيجيب سيرته تقريباً. كان بيقعد بالساعات بالليل جمب الشباك يبص على الشارع. فادية كانت شايفاه بيتعذب بس مكنتش بتقدر تسأله. جلال كان عنده طريقته الخاصة في التعامل مع الوجع وهي السكوت، وهي احترمت ده. بعد كام سنة، قلبه مستحملش ومات.

كريم ظهر في أول إبريل. خبط على الباب براحة، مأضربش الجرس، خبط كأنه مش ضامن هيرضوا يفتحوا له ولا لأ.

فادية فتحت الباب وفضلت باصة له كام ثانية مش مصدقة: راجل عنده تلاتين سنة، دقنه نبتت، وظهره محني شوية، وفي إيده كيس يوستفندي.

«أمي»، قالها بصوت زي العيال الصغيرة. «أنا آسف. أنا اتصرفت بغباء زمان».

فادية وقفت مش عارفة تعمل إيه، راح مكمل: «أنا عايز أصلح كل حاجة.. لو تديني فرصة بس».

أخدته في حضنها وهي واقفة على الباب. هو حضنها بارتباك وبطريقة مش متناسقة—زي الناس اللي عاشوا فترة طويلة من غير ما حد يحضنهم ونسيوا الحضن بيتعمل إزاي.

على العشا حكى لها إنه اشتغل طباخ في محافظات كتير، من أسوان لإسكندرية. بدأ في مطاعم شعبية صغيرة لحد ما وصل لمطاعم كبيرة وفنادق. وهو فعلاً كان بيطبخ حلو أوي.

فادية كانت بتراقبه وهو بيقطع الفراخ بحرفية، وبتفكر إن الدنيا دي غريبة؛ بني آدم يختفي ١١ سنة، وفجأة يرجع يقف في المطبخ يعمل لك أكل.

قعد معاها في الشقة، رجع أوضته القديمة، رص حاجته في الدولاب، وبقى كل يوم الصبح يعمل الفطار؛ يا إما بليلة أو بيض مسلوق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *