عودة الابن الضال

 

وقفت فادية بلا حراك.

 

كفها على فمها، والدموع متحجرة في عينيها.

 

كانت تنظر إلى ابنها الذي انتظرته أحد عشر عاما… وكأنها تراه لأول مرة.

 

“يا نهار… نسيت أعدي على الصيدلية.”

 

قالها بضيق وهو يلتفت نحو الباب.

 

“هضطر أنزل مشوار تاني.”

 

تمتم بكلمات غير مفهومة، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.

 

اختفت خطواته على السلم.

 

وظلت فادية واقفة في منتصف الممر.

 

تنظر إلى سترته المعلقة، وإلى حذائه قرب الباب، وإلى المفاتيح الموضوعة فوق الرف الصغير.

 

بعد دقائق فقط، كانت قد اتخذت قرارها.

 

فتحت حقيبتها ووضعت فيها أوراقها المهمة، بطاقة التموين، وصورة صغيرة لجلال كانت تحتفظ بها منذ سنوات.

 

ثم اتصلت بمنى.

 

“أمي؟ بتتصلي بدري كده ليه؟”

 

“كنت بفكر أجيلك إسكندرية يا بنتي… وحشتيني.”

 

فرحت منى فورا.

 

“تنوري يا أمي. إمتى؟”

 

“النهارده.”

 

ساد الصمت لحظة.

 

“النهارده؟ طب وكريم؟ خليه ييجي معاكي، نفسي أشوفه.”

 

نظرت فادية أمامها وقالت بهدوء:

 

“كريم سافر شغل. أنا هاجي لوحدي.”

 

“خلاص، ابعتيلي رقم القطر وأنا هستناكي.”

 

أغلقت الهاتف.

 

ثم بدأت تجمع كل ما يخص كريم.

 

الملابس التي نشرها في الغرفة، ماكينة الحلاقة، الكتاب الذي كان يقرأه قبل النوم.

 

وضعت كل شيء داخل حقيبته.

 

وأخرجت الحقيبة إلى خارج الشقة.

 

بعدها جلست إلى الطاولة وكتبت ورقة قصيرة بخط واضح:

 

> يا كريم…

 

أنا بحبك، وطول عمري بحبك.

 

والظاهر إني هفضل أحبك رغم إنك متستاهلش.

 

عشان كده مش هبلغ عنك.

 

لكني مش عايزة أشوف وشك تاني أبدا.

 

أمك.

 

 

 

وضعت الرسالة فوق الحقيبة.

 

ثم أغلقت الباب خلفها بالمفتاح الذي لم يكن يملكه سواها.

 

في الطريق إلى محطة القطار، كانت تشعر أن شيئا ثقيلا ينخلع من قلبها مع كل خطوة.

 

وعندما جلست في صالة الانتظار، وسط ضجيج المسافرين وحركة الحمام فوق الرصيف، أدركت أنها ستضطر يوما ما إلى إخبار منى بكل شيء.

 

ليس اليوم.

 

وليس فور وصولها.

 

لكنها ستحكي.

 

حاولت ألا تفكر في كريم، لكن بعض الجروح لا تطيع أصحابها.

 

وعندما وصلت إلى الإسكندرية، كانت منى في انتظارها على الرصيف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *