عودة الابن الضال
فادية كانت بتكلم منى كل يوم بالليل.
«يعني رجع خلاص؟» منى سكتت شوية على الخط. «وطريقته معاكي عاملة إزاي؟»
«كويس أوي ومحترم».
«وبيطبخ لقمة حلوة تسلم إيده».
«أمي، إنتي متأكدة إن كل حاجة تمام؟ دا غايب بقاله ١١ سنة يا أمي».
«يا منى ده أخوكي وابني، إنتي بتتكلمي كأنك غريبة ليه؟»
فادية كلمت كل قرايبهم في البلد وفي كل مكان وفرحتهم: كريم رجع، كريم في بيته وسطنا. بنت خالتها من طنطا فضلت تصوت في التليفون وتقول لها “يا فادية مفيش دخان من غير نار، ومحدش بيرجع كده لله وللوطن بعد العمر ده كله”.
فادية ردت عليها وقالت لها: «بلاش فقر وفأو، كل حاجة زي الفل».
بعد حوالي أسبوعين، فادية بدأت تلاحظ إنها بتتعب أكتر من الأول بكتير. على المغرب كده راسها بتبقى تقيلة ومش مجمعة، والصفرة (الصبح) بتصحى وهي حاسة بغثيان وعايزة ترجع.
قالت لنفسها يمكن ده تغيير فصول، نقص فيتامينات، ضغط، أو السن.. الست لما بتوصل للستين صحتها مابتسعفهاش، ومكنتش عايزة تشتكي..
لم تكن تعرف أن ما يحدث لها لم يكن عاديا أبدا.
في البداية تجاهلت الأمر. قالت لنفسها إنه إرهاق أو نقص فيتامينات أو مجرد أثر للسن. لكن الأعراض كانت تزداد يوما بعد يوم، ومعها كان كريم يتحول إلى الابن المثالي أكثر فأكثر.
كان يوقظها على رائحة الإفطار، يسألها عن دوائها، ويمنعها أحيانا من القيام بالأعمال الثقيلة. حتى منى بدأت تلين قليلا عندما تسمع أمها تتحدث عنه.
لكن في ذلك اليوم، اكتشفت فادية شيئا لم تكن مستعدة له.
كانت عائدة إلى الشقة قبل موعدها المعتاد. فتحت الباب بهدوء، وحين سمعت صوت كريم في الصالة، تجمدت مكانها دون أن تعرف لماذا. شيء غامض في نبرة صوته جعل قلبها ينقبض.
وفي لحظة، وجدت نفسها تختبئ داخل غرفة المخزن.
من خلال الشق الضيق في الباب، رأته يخرج هاتفه ويضعه على أذنه.
“ألو… أيوه، أنا في الشقة خلاص.”
صمت قليلا يستمع للطرف الآخر، ثم قال:
“لا، الست الكبيرة مش هنا. خرجت ومش عارف راحت فين.”
بدأ يتمشى في الممر وهو يتحدث.
“ما تقلقش يا عم. هي أصلا مش باقيلها كتير. أكيد فاكرة اللي عندها شوية هبوط ولا ضغط.”
ضحك ضحكة قصيرة باردة.
“أول ما الموضوع يخلص هنبيع الشقة على طول. دي سهلة. وأنا هجيلك ونعيش حياتنا بقى.”