باعت آخر هاتف معها- محمد نور
بعد ثلاثة أيام عثرنا على أول خيط حقيقي:
كان راشد قد صور عدة صناديق داخل الميناء قبل وفاته. لم تكن الصور في هاتفه، بل في حساب بريد إلكتروني قديم تذكرت مريم كلمة السر الخاصة به.
فتحتُ الحساب، ووجدت أربع رسائل أرسلها لنفسه تحمل صوراً لحاويات، وأرقاماً، وباباً جانبياً، مع رسالة تقول:
“إن حدث لي شيء، فراجعوا كشوفات الورديّة الثانية… ما يدخل لا يطابق ما يخرج”.
بكت مريم:
— كان يعلم… كان يعلم أن هناك خطباً ما ولم يخبرني!
— ربما كان يحاول حمايتكِ.
فنظرت إليّ بغضب:
— لا تقل ذلك! لا تجعل إخفاء الخطر عني نوعاً من الحب… كنتُ سأفضل أن أختار بنفسي ماذا أفعل.
لم أجبها، لأنها كانت على حق، ولأنها كانت تصف بالضبط ما أفعله أنا مع الناس.
عرضت مي الرسائل على المحققين، فكشفت الكشوفات عن تلاعب؛ إذ كان الميناء ينقل بضائع قانونية، لكن بعض الحاويات كانت تدخل بأوزان غير مطابقة وأختام مستبدلة. لم تكن تلك عمليتي، بل كانت عملية المرشدي.
وهذا يفسر كيف ظهر اسم مريم في مطالبات الدين؛ فقد رأى راشد شيئاً ما وصوره، وبعد وفاته بحثوا عن أوراقه ولم يجدوا كل شيء، فكانوا بحاجة للسيطرة على الأرملة، ليس بقتلها بل بإبقائها مشغولة، فقيرة، ومستبعدة عن أي محامٍ. وكان الدين المزور الوسيلة المثالية.
سألتني مريم:
— وهل طردي من العمل كان بفعلهم أيضاً؟
أجابت مي:
— لا نستطيع إثبات ذلك، قد تكون مصادفة.
— والإخلاء؟
— البناء يتبع لشركة مرتبطة بالمرشدي.
هنا شحب وجه مريم:
— منذ متى؟
— اشتروه قبل ستة أشهر، بعد وفاة راشد.
شعرتُ بغضب بارد… ليس لأن المرشدي اعتدى على نفوذي، بل لأنه بنى قفصاً حول امرأة لم تكن تعلم أنها محاصرة.
سألتها:
— ماذا تريدين أن تفعلي؟
— الذهاب إلى الشرطة، ثم الحصول على مستحقات التأمين.
— هذا سيتطلب وقتاً.
— سأنتظر.
— والسكن؟
— وجدت شقة في المصفح.
— هل هي آمنة؟
— أكثر من الشقة القديمة.
— أحتاج لمبلغ التأمين الأولي… هل تدفعه لي كقرض؟
تفاجأتُ برغبتها أكثر مما لو كانت قد رفضت:
— موافق.
وقّعنا ورقة أخرى، حيث صاغت مي عقد قرض بدون فوائد يُسدد حين تستطيع مريم ذلك.
قالت مي: “لم أظن يوماً أنني سأستخدم رخصتي لمثل هذا!”
فردت مريم: “أما أنا فكنت أظن”.
وتآلفت المرأتان فوراً.
بعد أسبوعين، اقتحم أحدهم شقة مريم الجديدة. لم يسرقوا التلفاز ولا المال، بل بحثوا عن الأوراق.