حفل البحرية
«فشلت في الالتحاق بالبحرية»، كان والدي يردد هذه العبارة لكل ضيف. وقفت صامتة في حفل تخرج أخي من سلك الضباط… حتى مرّ جنرالٌ بارز من أمام أبي وقال لي: «لواء بحري… ما الذي أجلسكِ هنا في الخلف؟» حينها نهض 140 ضابطاً واقفاً. وغطى والدي وجهه خجلاً.
انعقدت أصابع والدي حول مرفقي بقوة في اللحظة نفسها التي بدأ فيها الهاتفي المشفّر في حقيبتي بالاهتزاز.
همس في غضب وهو يوجهني بعيداً عن الصفوف الأمامية في القاعة الرئيسية لمقر التخرج: «ليس هنا، اليوم يوم أخيكِ. حاولي ألا تحرجينا للمرة الأولى في حياتكِ».
اسمي ثريا الداوود، في السابعة والأربعين من عمري، وأحمل رتبة لواء بحري في القوات البحرية. لأكثر من عشرين عاماً عملتُ في التخطيط العملياتي والاستخبارات. كانت أغلب مهامي أسراراً لا يمكن الحديث عنها على مائدة الطعام. لكن والدي، «سليمان»، حوّل هذا الصمت إلى قصته المفضلة: أنني فشلتُ في البحرية وانتهى بي المطاف في وظيفة مكتبية بسيطة.
كان بمقدوري تصحيح معلواماته، لكنني لم أتخيل قط أن أباً قد يحتاج لرؤية السيرة الذاتية لابنته كي يمنحها التقدير والاحترام.
في ذلك الصباح، كنا نحضر حفل تخرج أخي الأصغر «طارق» من دورة الضباط. كان يقف بالقرب من المنصة مع 139 ضابطاً متخرجاً، في أبهى حلة ويمشي بجمال الهيبة والفخر. كنت فخورة به أيضاً—إلى أن أشار والدي نحو طاولة صغيرة في الممر.
قال لي: «المتطوعون بحاجة لمساعدة في توزيع المياه، اجعلي لنفسكِ فائدة اليوم».
أجبته بهدوء: «أنا ضيفة هنا يا سليمان».
كان يكره أن أناديه باسمه المجرد. اشتدت قبضته على ذراعي حتى سرى الألم فيها. وضعتُ إصبَعيّ على إبهامه ورفعت يده عني بثبات ثم قلت: «لا تمسكني بهذه الطريقة مجدداً».
نظرت أمي «فاطمة» نحو كتيب الحفل بقلة حيلة. كان طارق قد لاحظ ما يجري، لكن قائد الفصيل استدعى مجموعته قبل أن يتمكن من الاقتراب منا.
اهتز هاتفي للمرة الثانية، وكانت النغمة المخصصة لنداءات القيادة الآمنة. استأذنتُ ووقفت خلف عمود خرساني، ووصلت السماعة المشفّرة ب أذني لأستمع إلى ضابط الخفر وهو يعرض عليّ إيجازاً عن سفينة مجهولة تتحرك نحو الممر المائي الحساس، وأن منصتي مراقبة بحاجة لتحديث صلاحيات التوجيه.
أمرته بصوت خفيض: «حافظوا على المسافة الآمنة، انقلوا المنصة الثانية شرقاً وأرسلوا الخطة التكتيكية عبر السلسلة المعتمدة. لا تصعيد دون تأكيد مباشر مني».