انتي فاشلة _ حكايات منال علي ١

الجزء الاول
— إنتِ فاشلة! سامعاني؟ فاشلة وملكيش أي لازمة! — صرخ كريم وهو بيرمي مفاتيحه بعصبية على ترابيزة السفرة.
صوت المفاتيح رنّ في مطبخ الشقة الصغير، وسط هدوء تقيل خنق المكان.
كانت منة واقفة قدام البوتاجاز، ماسكة معلقة وبتقلب بيها في حلة الشوربة. إيدها وقفت فجأة، بس مابصتلوش.
— نرمين حامل — قال كريم بنبرة أهدى شوية، بس كان فيها إحساس غريب بالانتصار — أخيرًا هيبقى عندي عيل. وإنتِ… إنتِ كل اللي بتعرفي تعمليه هو العياط واللف على الدكاترة.
ولا حتة في وش منة اتحركت.
حطت المعلقة بهدوء على جنب، كأنها بتعمل حاجة مهمة قوي، أهم من الكلام اللي لسه سامعاه حالاًّ.
ريحة البصل المتشوح كانت مالية المطبخ، ولمبة السقف عمالة ترعش وتطفي خفيف، وورق الحيطة القديم بدأ يقشر جنب الحوض. ورغم كل ده، المكان كان مترتب زي عادتها: أصيص الريحان على الشباك، برطمانات الملح والفلفل مرصوصة بالنظام، وكوباية الشاي جنب طرف الترابيزة.
مالفتتش ناحيته غير لما حست إنه مستني منها رد فعل.
بصتله بنظرة كلها تعب… مش تعب شغل ولا إرهاق يوم طويل، لأ… تعب حد أخد قراره من زمان وقفل القصة.
— إنت ناوي تمشي؟ — سألته بصوت هادي.
— لا… أنا ماشي فعلًا — رد ببرود — النهارده. هلم هدومي وأسيب البيت.
حست بحاجة بتعصر قلبها من جوه… مش دموع، حاجة أبرد وأقسى بكتير.
— ماشي — قالتها ببساطة.
كريم اتلخبط ومبقاش عارف يقول إيه.
— ماشي؟!
كان متوقع صريخ… عياط… تترجاه… أو حتى تمسك فيه وتقوله خليك علشان خاطري.
بس هي كررت نفس الكلمة وبنفس الهدوء:
— ماشي. خد حاجتك وسيب المفاتيح على الترابيزة.
بعدها مابقتش سامعة باقي كلامه.
كان عمال يتكلم عن التعب، وعن المستشفيات، والتحاليل، والأدوية اللي مالية الكومودينو، وعن سنين الأمل اللي كانت متعلقة بمواعيد وأرقام وتقارير دكاترة.
يمكن كان عنده حق…
بس الحقيقة دي مبقاش ليها أي قيمة عندها خلاص.
بعد شوية، باب الشقة اتقفل.
قفلته كانت هادية…
بس بالنسبة لها كانت زي ضربة نار.
فضلت واقفة مكانها كام دقيقة مش بتتكلم.
بعدها طفت البوتاجاز، وخرجت للصالة.
المفاتيح كانت محطوطة فوق الكونسول.
مسكتها في إيدها.
فضلت باصة لها لحظة.
وبعدين رجعتها مكانها تاني.
رجعت المطبخ، ملت كوباية مية من الحنفية، ووقفت قدام الشباك.
في العمارة اللي قصادها، الأنوار كانت شغالّة.
ناس عايشة حياتها عادي.
ضحكة طلعت من بلكونة.
حد بيتحرك ورا الستارة.
حياة كاملة… بعيدة عنها كأنها في عالم تاني خالص.
منة كان عندها تلاتين سنة وشهرين بالظبط.
شغالة محاسبة في شركة مقاولات كبيرة.
بتسلم شغلها في ميعاده بالدقيقة.
بتعرف تعمل أحسن شوربة عدس.
وحتى لو السباكة باظت أو الحنفية بتنقط، كانت بتصلحها بنفسها.
ست سنين جواز من كريم.
أربع سنين منهم ضاعوا بين دكاترة وتحاليل وجمل محفوظة وزهقت منها:
> “استني شوية.”
> “إن شاء الله خير.”
> “لسه فيه أمل.”
>
عملت تلات محاولات حقن مجهري.
آخر محاولة كانت من أسبوعين بس.
ولسه مكنتش تعرف النتيجة.
الليلة دي عيونها ماغفلتش.
فضلت باصة للسقف طول الليل.
حاسة إن نص السرير بقى فاضي وبارد.
كريم لم كل حاجته بدقة غريبة.
ماسابش وراه غير ريحة برفانه في الجو.
وعلى الصبح…
حتى الريحة دي اختفت.
افتكرت إن بكرة الجمعة.
ميعاد المركز.
مركز اسمه “بداية جديدة”.
اسم كان دايماً بيضايقها ويقفلها.
كانت حاسة إنه تريقة وسخرية أكتر منه أمل.
غسلت وشها، لمت شعرها، ولبست البالطو بتاعها.
بصت لنفسها في المراية.
وش عادي جداً.
فيه شوية صفار وشحوب زيادة.
عينين بني.
شعر غامق.
واعوجاج صغير في مناخيرها.
زمان كانت بتكرهه ومدايقة منه…
دلوقتي بقى مجرد حتة منها وخلاص.
في الأتوبيس كانت بتبص من الشباك.
الشوارع الزحمة.
الناس اللي راجعة من شغلها وتعبانة.
أم ماسكة إيد بنتها الصغيرة ومعدية الشارع.
كل حاجة زي ما هي برة.
بس هي كانت حاسة إنها بتتفرج على الدنيا من ورا لوح إزاز سميك قوي.
لما دخلت للدكتورة سلوى فؤاد، الدكتورة بصت لها من فوق النضارة وقالت:
— يا منة… النتيجة ظهرت.
— بجد؟
ابتسمت الدكتورة ابتسامة خفيفة.
— المحاولة نجحت.
سكتت منة تماماً.
ودانها بدأت تزن وصوت الدكتورة بقى بعيد.
— منة؟ سامعاني؟
— أيوه… يعني نجحت؟
— أيوه… وفي حاجة كمان.
وقفت الدكتورة ثانية قبل ما تكمل:
— واضح إن التلاتة ثبتوا.
منة فضلت ساكتة. حصري على صفحه روايات واقتباسات
كل حاجة حواليها بقت هادية وساكتة بشكل غريب.
— تلاتة؟ — همست بصوت واطي.
— لسه بدري نأكد، بس بنسبة كبيرة جداً… توأم ثلاثي.
فضلت قاعدة في مكانها مش بتحرك.
الأفكار كانت بتعدي قدام عيونها واحدة واحدة.
كريم مشي خلاص.
المفاتيح فوق الترابيزة.
في البيت فيه لبن وبيض.
وهي عندها تلاتين سنة.
وجواها…
تلات أطفال.حكايات منال علي
— ماشي — قالتها بهدوء.
في طريق الرجوع، قعدت جنب الشباك.
وبعد نص السكة تقريباً…
الدموع نزلت لوحدها من غير ما تحس.
الراجل اللي قاعد قدامها بص في موبايله وعمل نفسه مش شايف.
وست كبيرة حودت وشها الناحية التانية علشان ماتحرجهاش.
كل واحد اتصرف بالطريقة اللي شايفها صح.
لأن فرحة الناس ساعات بتبقى أصعب وأغرب من حزنهم.
منة نفسها مكنتش عارفة دي فرحة ولا صدمة.
يمكن الاتنين مع بعض مخبوطين في خلاط واحد.
لما وصلت البيت، اتصلت بأمها، الحاجة فاطمة، اللي عايشة في بلد صغيرة في الصعيد.
— كريم ساب البيت — قالت منة.
سكات طويل على الخط.
— سابه خالص؟ حكايات منــال عـلـي
— خالص. راح لنرمين… وطلعت حامل.
سكات تاني أطول.
— وإنتِ؟
أخدت منة نفس عميق وملت صدرها هوا.
— وأنا كمان حامل… وغالباً في تلاتة.
من الناحية التانية مطلعش غير صوت واحد بس:
— يا ساتر يا رب…
ضحكت منة لأول مرة من أيام.
— تقريباً ده نفس اللي قلته بالظبط لما عرفت.
— وهتعملي إيه يا بنتي؟
بصت للريحان اللي بدأ يدبل ويموت على الشباك.
وقالت بهدوء شديد وثقة:
— هولدهم… وأربيهم.
وووو يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *