حفل البحرية
عندما عدت، كان والدي يتبادل أطراف الحديث مع ثلاثة من الجيران.
قال لهم بنبرة تهكمية: «ما زالت ثريا تدير المعاملات الورقية في القوات البحرية… عشرون عاماً من نقل الأوراق، الفشل الأكبر في عائلة الداوود».
ضحك الجيران بارتباك، فيما همست أمي: «سليمان، يكفي».
انتزع بطاقة الدعوة من يدي ونقر بها على صدري قائلاً: «مكانكِ في الصف الأخير، بجانب المخرج. الصفوف الأمامية مخصصة لمن هم على صلة بالضباط الخريجين».
لثانية واحدة، كادت كل إجابة كتمتها طوال سنين أن تنفجر من لساني. لكنني ألمحتُ طارق ينظر ونحن نتهامس، ولم أكن لأحول حفل تخرجه إلى مشهد من الدراما العائلية.
مشيتُ بخطى ثابتة ونشست في الصف الأخير.
عمّ الصمت القاعة عندما دخل الفريق أول «صالح الجابري»، نائب قائد القوات المسلحة، برفقة كبار ضباطه. وقف والدي في منتصف الطريق، مبتسماً وعارضاً مصافحته بينما كان الفريق يسير في الممر الأوسط.
مرّ الفريق الجابري من أمامه دون أن يتباطأ.
تجاوزت نظراته كل الضباط الرفيعين والأماكن المحجوزة، وتوقفت عليّ وأنا أجلس بجوار المخرج. تغيرت ملامح وجهه في الحال، وخرج عن الممر متوجهاً مباشرة نحو الصف الأخير.
تبعه والدي بذهول واستغراب: «سعادة الفريق، أنا سليمان الداوود—والد الضابط الخريج».
لم يلتفت الجابري إليه، بل وقف أمامي مباشرة، وجمع قدميه ورفع يده بتحية عسكرية صارمة ومتقنة.
قال بصوتٍ جليّ تردد صداه في أرجاء القاعة: «سيادة اللواء ثريا… ما الذي يجلسكِ في الخلف بحق السماء؟»
في تلك اللحظة، تعالت أصوات تحريك 140 كرسياً عبر القاعة.
ظن والدي في البداية أن الفريق قد أخطأ بيني وبين شخص آخر، حتى وقف كل ضابط جديد في القاعة واستدار أخي نحو الصف الأخير، بينما كان اللقب الذي لم أستخدمه يوماً في بيتنا يتردد صداه بين الجدران.
الجزء الثاني
دوى الصوت في أرجاء القاعة كعاصفة من الرعد. مئة وأربعون ضابطاً وقفوا جميعاً في وضع الاستعداد العسكري، وكان طارق من بينهم.
هتفوا معاً بصوت واحد: «صباح الخير يا سيادة اللواء!»
رددتُ التحية العسكرية للفريق الجابري. وعندما خفضتُ يدي، رأيتُ والدي ما زال يمد يده للأمام وكأن أحداً قد قاطعه في منتصف تعريفه بنفسه. أمي كانت قد غطت فمها بكفيها مذهولة، بينما ظهر على وجه طارق الفخر أولاً، ثم الحيرة، يعقبها شيء قريب من الألم والخذلان.