حفل البحرية

الجزء الثالث

لمدة ثوانٍ معدودة، بدا وكأن الهواء قد سُحب من المطبخ وساد صمت كالمقابر.

جلست أمي ببطء وهي مصدومة. أخذ طارق يروح ويجيء نحو المغسلة، وشارة ضابطه الجديدة تعكس ضوء المصباح السقفي. أما أنا فبقيتُ واقفة، لأن الجلوس كان يبدو وكأنه استسلام أو قبول بما فعله والدي.

سألته: «لماذا؟»

فرك والدي وجهه بكفيه وقال: «الرسالة الأولى قالت إنكِ أنهيتِ تدريب الضباط… ظننتُ أنكِ ستعودين إلى المنزل بعد جولة واحدة. ثم جاءت ترقية أخرى، ومهمة جديدة، ودعوة رسمية تلو الأخرى. كان كل ظرف يثبت أنكِ تبنين حياة لا مكان لي فيها».

قلتُ له: «فقمّتَ بمسحها من الوجود».

ردّ مدافعاً: «قلتُ لنفسي إنني أحمي أمكِ من الخيبة والخذلان».

ضربت أمي الطاولة بكفها وهتفت: «بل كنتَ تحمي كبرياءك وأنا نيتك!»

مدّ والدي يده ليمسك بيدها، لكنها سحبتها منه بقوة.

اعترف أنه عندما كان الجيران يسألونه عني، كان يخترع نسخاً مصغرة ومهمشة من عملي. كان يصفني بالكاتبة حتى يبدو غيابي أمراًعادياً، وكان إغداقه بالمديح على طارق يمنحه فرصة أخرى ليكون والد الابن العسكري الذي يعتقد أنه يستحقه—الابن الذي ما زال يأتمر بأمره.

توقف طارق عن المشي وقال: «لقد جعلتَ من حفل تخرجي جزءاً من منافسة لم أوافق عليها يوماً».

قال والدي: «كنتُ فخوراً بك».

أجابه طارق: «لو كنتَ فخوراً بي بحق، لما احتجتَ إلى تصغير شأن أختي لتبدو أنا كبيراً».

كانت تلك هي اللحظة التي انكسر فيها والدي بالفعل. لم ينكسر عندما تجاوز الفريق أول مصافحته، ولا عندما وقفت القاعة كلها لتحيتي؛ بل حدث ذلك عندما رفض الابن الذي رفعه إلى الهاوية ذلك الموقف.

انحنى والدي للأمام، واهتزت كتفاه بالبكاء. طالما تخيلتُ اعتذاره مراراً في مخيلتي، لكن رؤيته يبكي لم تعاد إليّ الرسائل المفقودة، ولا السنوات التي قضيتها وأنا أعتقد أن إنجازاتي تصل للبيت فلا تجد أحداً يحبها.

قال والدي والدموع في عينيه: «أنا آسف… يا ثريا، كنتُ خائفاً ومحرجاً لأنني لم أستطع السيطرة على قراراتكِ، وحوّلتُ ذلك الشعور إلى قسوة ضدكِ».

قلتُ له بثبات: «أصدق أنك نادم على افتضاح أمرك اليوم، لكنني لا أعلم بعد إن كنتَ نادماً حقاً على ما اقترفته بحقي».

رفع رأسه وسألني: «كيف أثبت لكِ ذلك؟»

أجبته: «قل الحقيقة عندما تكلفك حقيقية شيئاً ذا قيمة».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *