حفل البحرية
بعد انتهاء الحفل، حاصرني والدي خلف مركز الزوار.
قال بغضب مكتوم: «أنتِ من دبرتِ هذا المشهد! تركتِني أبدُ أضحوكة أمام الجميع!»
أجبته ببرود: «لم أدبر أي شيء».
تساءل بنبرة حادة يملؤها الخوف: «لواء بحري؟! هل تتوقعين مني أن أصدق أن أحداً لم يستطع إخباري طوال عشرين عاماً؟»
رددتُ عليه: «كنتُ أرسل لك الرسائل دائماً… إعلانات الترقية، الدعوات الرسمية، والرسائل الشخصية. لكنك لم تجب على أي منها قط».
تغيرت ملامح أمي وسألت بذهول: «عن أي رسائل تتحدثين؟»
تطلع والدي نحو موقف السيارات متهرباً من ألعين.
تقرّب طارق منا وسأله: «أبي؟»
تمتم والدي متلعثماً: «ليس هنا… ليس هذا مكان الحديث».
قلتُ له: «هذا بالضبط ما قلته لي في الداخل… دائماً هناك مكان تكون فيه الحقيقة غير مريحة لك».
جاءت المفاجأة الصادمة في ذلك المساء في منزل والديّ. اتصلت بي أمي وأصرت أن أحضر فوراً. وعندما وصلتُ أنا وطارق، كانت قد وضعت ظرفاً محترق الأطراف على طاولة المطبخ. وجدته خلف آجرّة مفككة داخل الموقدة أثناء بحثها عن ألبوم صور عائلي قديم.
كان طرف الظرف أسوداً بفعل النار، لكن ختم القوات البحرية كان لا يزال واضحاً. وكان داخله نسخة متضررة من قرار تعييني الأول في قيادة سفينة حربية، وملاحظة بخط يدي كتبتها قبل أحد عشر عاماً:
«أعلم أنك لم تكن تتمنى لي هذه الحياة يا أبي، لكنني آمل أن تفخر بأنني وصلتُ إليها بشرف وجدارة».
حدقت أمي فيه وقالت بصدمة: «لقد أخبرتني أن ثريا توقفت عن الكتابة إلينا!»
جلس والدي على الكرسي مكسوراً.
تذكرتُ كل مكالمة في عيد ميلادي كان يسألني فيها بسخرية عما إذا كنتُ لا أزال «أمارس أعمال السكرتارية»، وكل مناسبة كان يمتدح فيها طارق لرغبته في الالتحاق بالسلك العسكري بينما يصف خدمتي بأنها مجرد انحراف محرج عن الطريق الصحيح. لم تكن تلك المواقف وليدة الجهل؛ بل كان يغذيها ويتعمدها.
سألته بنبرة هادئة: «كم رسالة؟»
التزم والدي الصمت.
ضرب طارق ملف تخرجه بقوة على الطاولة وهتف: «كم رسالة أرسلتها لك؟!»
جفل والدي، وارتدت نظراته بين عملتي التذكارية كرتبة لواء الموضوعة على الطاولة ويدي أمي المرتجفتين.
همس في النهاية بصوت خافت: «إحدى وأربعون رسالة».
شهقت أمي وأمسكت بظهر الكرسي: «وأين هي الآن؟»
نظر والدي نحو الموقدة الباردة وقال: «تلاشت… أحرقتُ كل واحدة منها».