باعت آخر هاتف معها- محمد نور

استخدمت مريم جزءاً من المال لترسخ دراستها في إدارة البرامج الصحية، لتساعد العائلات في التعامل مع شركات التأمين ودعم الأدوية.

وتحسنت حالة يوسف مع العلاج والمتابعة المنتظمة.

بدأتُ بتصفية أعمالي غير المباشرة الشائكة، وأعدت هيكلة شركاتي لتكون ناصعة ونظيفة، مسجلاً شركات رسمية بإشراف قانوني كامل من مي، لا لأصبح قديساً، بل لأبني بيئة لا يضطر فيها يوسف لتعلم الأسماء التي يجب حذرها.

بعد سنتين، زرنا محل الرهونات ذاته…

سأل يوسف (وكان في الثامنة):

— هل هنا بعتِ الهاتف القديم؟

— نعم.

— وهل تبعكِ عمي سليم؟

قالت مريم وهي تنظر إليّ:

— يبدو الأمر مريباً حين تقوله هكذا!

ابتسمتُ، وقال الموظف الجديد:

— سيد سليم، السياسة ما زالت قائمة.

فسألت مريم:

— أي سياسة؟

أجاب الموظف:

— إن جاء أحد يبيع شيئاً لطارئ صحي، نتصل بصندوق الدعم قبل تقديم أي عرض.

نظرت مريم إليّ:

— صندوق الدعم؟

— هو ليس لي بفرادي، بل مشاركة من التجار.

الصندوق أُطلق عليه اسم “نَفَس”؛ يغطي الحالات الطارئة للإنقاذ السريع ويصل العائلات بالدعم القانوني، لكي لا يضطر أحد لبيع أخر ما يملك ليشتري دواءً ثم يكتشف أن ذلك لم يكن كافياً.

تولّت مريم إدارته بشرط ألا أتدخل شخصياً في اختيار الحالات كي لا أحول الأمر إلى مسألة نفوذ.

وفي يوم من الأيام، أثناء وجودنا في المطبخ، قالت مريم ببساطة:

— أظن أنه ينبغي لنا أن نتزوج.

فنظرتُ إليها مبهوتاً:

— ماذا؟ لقد كانت لدي خطة! خاتم وعشاء…

فقالت: “هل تريد الزواج أم إدارة عملية؟”

ليقول يوسف من خلفنا: “وافق يا عمي!”

تزوجنا في حفل بسيط اقتصر على المقربين ومي وأمي وبعض المعارف.

وبعد عام من زواجنا، بينما كان يوسف يبحث عن أغراضه، ناداني فجأة:

— أبي… لا أجد بخاخ الربو.

تسمرتُ في مكاني، ونظرت إليّ مريم من المطبخ بابتسامة.

قلت له بصوت ثابت:

— تجده في الجيب الجانبي للحقيبة.

فجعلني ذلك أسترجع ذكرى الهاتف الأول… شاشته المكسورة، والستمائة درهم.

علمتني مريم أن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة على الآخرين أو إملاء الخيارات عليهم، بل في منحهم القدرة على الاختيار بأنفسهم.

وما زلت أحتفظ بذلك الهاتف القديم في صندوقي، لا لاستخدامه، بل لأتذكر دائماً تلك اللحظة التي لم تطلب فيها مريم أن ينقذها أحد، بل سعت بنفسها لحماية ابنها… ولأتذكر كيف غيّر وجودهما طريقة تنفسي للحياة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *