جوزي مات ١ – منى السيد

جوزي مات وسابلي 3 عيال، بنتين وولد. أكبرهم لسه مدخلش الإعدادي، والصغيرين لسه متعلقين في رقبتي زي العصافير الصغيرة، مالهمش غيري في الدنيا.
موته كان كسر ضهر بجد. لسه تراب قبره ما نشفش، ولسه ريحة الحزن مالية البيت، وأنا مش عارفة أعمل إيه ولا أواجه الدنيا إزاي لوحدي.
وفجأة، لقيت حماتي داخلة عليا الأوضة. وشها كان كله غضب وطمع، ولا كأن ابنها لسه مدفون.
قعدت قدامي، حطت رجل على رجل وقالت بمنتهى البرود
بصي يا بت إنتي، الواد مات وسابلك 3 عيال، بس الشقة والعفش مش هيطلعوا بره العيلة. تتجوزي أخوه الصغير، ويقعد هو وعيال أخوه في البيت. بدل ما نجرجرك في المحاكم ونشردك.
بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
أخوه؟! إنتي بتتكلمي عن مين؟ ده أصغر مني بسنين! وبعدين جوزي لسه ميت أنا لسه فاقداه، وعمري ما هفكر في راجل غيره. أنا هربي عياله وأعيش على ذكراه.
وشها قلب، وصوتها علي
ذكرى إيه يا حبيبتي؟ هو مات وخلاص! والشقة دي مش بتاعتك. يا تتجوزي أخوه وتقعدي فيها، يا تطلعي منها على جدور رقبتك. والعيال؟ لو عايزة تاخديهم خديهم، بس متستنيش مننا لقمة ولا جنيه!
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحتي.
نزلت على الأرض، ومسكت إيديها وأنا بعيط
أبوس إيدك يا خالتي، ارحميني عشان خاطر ابنك اللي مات. سيبيني أربي عياله في بيتهم. حرام تبهدلي أيتام ابنك في الشارع.
لكنها زقتني بعيد، وخرجت وهي بتهددني
قدامك أسبوع، وبعدها الشقة دي مش هتبقى ليكي.
قفلت

الباب وراها، وأنا انهرت في العياط.
لكن وسط دموعي، بصيت لبناتي. كانوا واقفين قدامي مرعوبين، ودموعهم نازلة على خدودهم. افتكرت الحلقين الدهب اللي في ودانهم، اللي كنت مخبياهم للزمن.
مسحت دموعي وقلت لنفسي
الزمن جه يا ولاد.
خدت الحلقين، وروحت للصايغ وبعتهم. الفلوس بالعافية كفت تأمين شقة إيجار ونقل العفش.
وفي أسرع وقت، نقلت أنا وعيالي لشقة بسيطة في حارة بعيدة عنهم.
صاحب البيت كان راجل كبير وطيب، ولما عرف حكايتي وإن عندي 3 عيال أيتام، رق قلبه لينا.
قال لي
يا بنتي، عندي محل صغير تحت البيت مقفول. خدي مفتاحه وافتحي منه باب رزق لعيالك. المحل ده إيجاره لله، وربنا هو الرزاق.
مسكت المفتاح وأنا بعيط من الفرحة.
بدأت من الصفر. جبت مكنة غزل بنات ومكنة فشار، وخليت ابني الكبير يقف قدام المحل يبيع للأطفال.
وبالفلوس اللي بدأت تدخل، جبت فرن غاز وبدأت أشوي السمك لأهل المنطقة.
ريحة السمك المشوي بقت تجيب الناس من آخر الشارع.
وبعدها بدأت أقلي للزبائن، وأشتري السمك بالجملة، وأبيعه طازة، واللي يحب يشوي أو يقلي كان بيطلب مني.
وبقيت أعمل رز صيادية وسلطات وأكلات بحرية.
يوم ورا يوم، المحل كبر، والرزق وسّع علينا، لحد ما بقى أشهر محل سمك في المنطقة.
أنا وعيالي بقينا عايشين مستورين، والحمد لله ربنا عوضنا عن كل لحظة وجع عدت علينا.
لكن الدنيا عمرها ما بتفضل على حال.
في يوم، وأنا واقفة في المحل وسط الزحمة والطلبات، حسيت إن في حد واقف ورا ضهري.
كان نفسه عالي ومكتوم.
لفيت عشان أشوف مين محتاج حاجة
وفجأة اتجمدت مكاني.
حماتي كانت واقفة قدامي.
بس مش حماتي اللي فاكرها
كانت لابسة عباية قديمة، هدومها مبهدلة، وشكلها اتغير، وماسكة شنطة بلاستيك مقطوعة.
بصت للأرض، ومقدرتش ترفع عينيها في عيني.
بصت للمحل، للزباين، وللنعمة اللي أنا وعيالي عايشين فيها.
وبصوت مكسور قالت
حقك عليا يا بنتي الدنيا دارت عليا. إبراهيم طردني ورماني في الشارع، زي ما أنا رميتك زمان ومليش غير عيال ابني ياكلوني لقمة ويأووني.
فضلت واقفة قدامها مش عارفة أقول إيه.
لكن قبل ما أفتح بقي
سمعت صوت باب المحل بيتفتح.
لفيت
كان ابني الكبير داخل.
أول ما شاف حماتي، وقف مكانه كأنه اتصعق، واتغيرت ملامحه، ودمه غلي
وفي اللحظة دي، عرفت إن اللي جاي أصعب بكتير من كل اللي فات.
وقف ابني الكبير أحمد في مدخل المحل، كأنه صنم متسمر في مكانه، الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، وعينيه اتعلقت بالست العجوزة اللي واقفة قدامي بعبايتها الدايبة وشنطتها البلاستيك المقطوعة.
الزبائن كانت مالية المكان، ريحة السمك المشوي والدخان الأبيض مالي الصالة، وحس الشغل عالي، بس في اللحظة دي، حيطان المحل حسيتها بتضيق عليا فجأة، وكأن الدخان كله نزل كتم على صدري.
أحمد ما كانش لسه نسي، العيل اللي شاف أمه بتطرد في نص الليل وتلم هدومها في ملايات سرير، وعاش سنين الشقا من يوم مكنة الفشار وغزل البنات لحد ما بقى راجل يعتمد عليه، ما قدرش يبلع المشهد بسهولة.
خطا خطوة واحدة لقدام، وشه احمر وعروق رقبته نفرت إنتي مين؟! وبتعملي إيه هنا؟!
حماتي وطت راسها في الأرض أكتر، الشنطة في إيدها كانت بترتعش، ولسانها اللي كان زمان زي السيف، مش قادر يجمع كلمتين على بعض يا أحمد يا بني أنا ستك لحمك ودمك.
أحمد ضحك ضحكة وجع، مليانة مرار، وصوته طلع خشن ومجروح وسط الزباين ستي؟! دلوقتي بقيتي ستي؟! فين ستي دي لما كانت أمي بتبوس إيدك تحت عشان تسيبنا في بيتنا، وزقتنا في الشارع كأننا حشرات؟ فين ستي دي وإحنا بنموت من الجوع وأمي بتبيع حلقان أختي عشان شقة إيجار؟! جاية ليه دلوقتي؟! جاية تشمتي ولا جاية تاخدي اللقمة اللي عرقنا فيها سنين؟!
الناس في المحل بدأت تبص، والعمال اللي شغالين في شوي السمك وقفوا وبصوا لبعض بقلق.
جريت على أحمد، مسكت إيده وضغطت عليها بكل قوتي، صوتي كان طالع مهزوز بس حازم وطي صوتك يا أحمد! مش قدام الناس، مش قدام الغريب! ادخل جوة يا بني دلوقتي، ادخل واستهدى بالله.
بصلي ابني وعينيه بتلمع بدموع قهر حاول يخبيها طول السنين اللي فاتت هتدخليها بيتك يا أمي بعد كل اللي عملته فينا؟ هتعطفي على اللي رمتنا في البرد؟ دي ما تستاهلش حتى تبصيلها!
قولتلك ادخل جوة يا أحمد، حسابنا مش هنا ومش قدام الزباين.
سحب إيده بهدوء من إيدي، بص لحماتي نظرة كلها نار ووجع، ودخل الأوضة الداخلية بتاعة الإدارة والمخزن ورزع الباب وراه.
لفيت لحماتي، كانت واقفة بتترعش، رجلها مش شايلاها، وشها اللي كان زمان بيشع
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *