باعت آخر هاتف معها لتشتري الدواء لابنها... ولكن الرجل الذي تبعها اكتشف أن هناك من كان ينتظر بالفعل ليردّها عن كل ما تملك الجزء الأول وضعت المرأة هاتفاً مهشماً على منصة البيع في محل الرهونات الذي أمتلكه، وقبلت بستمائة درهم دون أي مفاوضة. كان ذلك أول شيء جعلني أدقق النظر فيها. فالناس يفاصلون دائماً حين يبيعون شيئاً هم بأشد الحاجة إليه. أما هي، فلا. اكتفت بالصؤال: — هل يمكنك إعطائي المبلغ الآن؟ فحص الموظف الجهاز. شاشة مكسورة. بطارية تالفة. غطاء أزرق باهت. — ستمائة درهم. أغمضت المرأة عينها. لثانية واحدة ظننت أنها سترفض. ثم مدت يدها: — موافقة. أنا اسمي سليم العطار. في الثامنة والثلاثين من عمري، وأدير من العقارات والمطاعم والمخازن وشركات النقل في العاصمة ما يجعل أغلب الناس يتفادون السؤال عن مصدر أي منها بالتحديد. لم يكن محل الرهونات هذا ذا أهمية. كان مجرد عقار من بين عقارات عدة تتبع لشركة تملكها شركة أخرى، تنتهي ملكيتها بأسلوب أو بآخر تحت توقيعي. وجدت هناك لأن السقف كان يسرّب الماء، والمدير يماطلني منذ ثلاثة أشهر بشأن الإصلاحات. ثم رأيتها. مريم الخالد. هكذا كُتب في النموذج. واحد وثلاثون عاماً. معطف أرقّ من أن يقي برد يناير. شعر يبلله المطر. ويد ترتجف وهي تعدّ الأوراق النقدية. سألها الموظف: — هل من مشكلة؟ تأخرت في الإجابة، ثم قالت: — ابني بحاجة إلى بخاخ للربو. لم تزد على ذلك. لم تطلب المساعدة. لم تبكِ. ولم تشتكِ غبن السعر. جمعت المال وأسرعت خارجة. كان جرس الباب لا يزال يهتز حين مدجت يدي: — أعطني الإيصال. نظر إلي الموظف: — سيد سليم... — الإيصال. نناولني إياه. وتحد توقيعها كانت هناك ملاحظة: بيع عاجل. دواء أطفال. — بكم ستبيع هذا الهاتف؟ — ربما بتسعمائة درهم. — أعطيتها ستمائة فقط. — هذه هي طبيعة العمل هنا. نظرت إليه: — من اليوم، ستتغير طبيعة العمل. أخرجت بطاقتي: — سجّل الهاتف على أنني أنا من اشتراه، وبالسعر الكامل للجهاز وهو جديد. فتح الموظف فمه ذهولاً: — يا سيد... — وفي المرة القادمة التي يدخل فيها أحد يبيع أخر ما يملك لطارئ صحي، تتصل بي قبل أن تعرض عليه هذا الفتات. أخذت الهاتف. أضاءت الشاشة لثانية واحدة قبل أن تطفأ، وتجلت عليها صورة: مريم تجثو بجانب طفل في السادسة من عمره تقريباً. كعكة بسيطة، وشمعة تحمل الرقم ستة. كان الطفل ذا شعر داكن وابتسامة أكبر من جسده الصغير. انتهت البطارية. نظرت إلى العنوان المسجل: شارع المرور. خمس عشرة دقيقة من هنا. فتح سائقي باب السيارة: — إلى المخزن؟ — لا. — إلى أين إذن؟ — الصيدلية. عثرت على الدواء بالاسم المدون على الإيصال. بخاخ إسعافي وحقن لجهاز التبخير. كان السعر الإجمالي يتجاوز ألف درهم. ولم يكن مع مريم سوى ستمائة. في عالمي، لا يشتري هذا الفارق زجاجة عصير فاخرة. أما بالنسبة لها، فقد كان الفارق بين أن تسمع أنفاس ابنها، أو أن تتصل بالإسعاف بعد فوات الأوان. رفضت الصيدلية تسليمي الدواء. وكان معهم الحق. فلست أباه، ولا وليه، ولا طبيبه. لذا تركت بطاقتي: — عندما تأتي، احسب كل شيء عليّ. قرأ الصيدلي اسمي ونظر إلي بشك: — لماذا؟ — لا أعلم. وكانت تلك هي الحقيقة. انتظرت في السيارة أمام الصيدلية. خمس دقائق. عشر. خمس عشرة دقيقة. لم تظهر مريم. اتصلت بمحل الرهونات: — هل قالت إلى أين هي ذاهبة؟ — لا. — هل تلقت أي رسالة قبل أن تبيع الهاتف؟ تردد الموظف: — نعم. — ماذا حدث؟ — انخطف لون وجهها. — هل قرأت الرسالة؟ — لا. — هل كان هناك أحد ينتظرها في الخارج؟ — لم أرَ أحداً. هناك أمر مريب. أعطيت العنوان لسائقي. وحين وصلنا إلى شارع المرور، كان المطر يشتد. كان البناء قديمًا، بحجارة داكنة وسلالم حريق صدئة. وشاحنة نقل أثاث تسد نصف الشارع. وعلى الباب ورقة حمراء: تنفيذ إخلاء. كانت مريم تقف على الرصيف، تحمل طفل الصورة بين ذراعيها. ورجل بمعطف بني يحمل ملفاً. كان يقول لها: — أخذتِ ما يكفي من الوقت. — أحتاج فقط إلى الغد. — عليك متأخرات ثلاثة أشهر. — ابني كان في المستشفى! — هذه ليست مشكلة المالك. كان الطفل يتنفس بصعوبة. لم يكن سعالاً، بل خريراً قصيراً ومكتوماً. بدأت مريم تبحث في جيوبها، فلم تجد سوى النقود القليلة. قال الطفل: — أمي... لا أستطيع التنفس. تغيرت ملامح وجهها بالكامل: — انظر إلي يا يوسف... تنفس ببطء. أشار الرجل إلى الرصيف: — كل ما في الداخل سيخرج اليوم. — جهاز التبخير الخاص به في تلك الصندوق! — إذن خذيه. — إنه مغلق عليه في الشقة! — لم تعد هذه شقتك. حاول الطفل التنفس مجدداً. رفعت مريم رأسها بقلة حيلة، وفي تلك اللحظة تذكرت أنها لم تعد تملك هاتفاً. كان الوسيلة الأخيرة التي يمكنها بها الاتصال بالإسعاف تقبع في يدي. فتحت باب السيارة. سرعان ما رآني الرجل ذو المعطف البني وأنا أقترب. — هذه ملكية خاصة. التفتت مريم ونظرت إلى وجهي، ثم إلى الهاتف المهشم في يدي. لم تفهم شيئاً. أما الرجل فقد فهم. رأيت ذلك في عينيه. تغيرت وقفته، واليد التي كانت تحمل الملف بدأت ترتجف: — السيد سليم العطار... وقفت أمامه: — هل نعرف بعضنا؟ — ليس شخصياً. — إذن كيف عرفت من أكون؟ لم يجُب. نظرت إلى الطفل: — الصبي أولاً. كان سائقي قد اتصل بالإسعاف بالفعل. أخرجت من جيبي إيصال الصيدلية: — الدواء مدفوع الثمن. نظرت إليّ مريم وكأنها لم تستوعب: — ماذا؟ — في صيدلية الشفاء. — لكنني لم... — نتحدث لاحقاً. انثنى الطفل قليلاً من الألم. فقلت: — ليس لاحقاً. أمسكت بهاتفي: — سيارة الإسعاف ستصل خلال دقيقتين. حاول الرجل ذو المعطف التراجع: — إذن يمكنني متابعة عملي... أمسكت بذراعه. لم تكن مسكة شديدة، لكنها كانت كافية. — أنت ستظل هنا. شحب وجهه: — لستُ مجبراً أمامك. — ربما ليس أمامي. فتحت ملفه. كانت هناك ورقة إخلاء، وفواتير، وعقد، وورقة تحمل اسم مالك العقار: شركة المرقاب العقارية. كنت أعرف هذه الشركة. ليس لأنها ملكي، بل لأنني أحاول منذ ستة أشهر شراء ثلاثة عقارات تابعة لشركة منافسة، وكانت هذه الشركة إحدى واجهاتها. وتحت الاسم ظهر اسم الممثل القانوني: أنور المرشدي. هنا عرفته تماماً. أكثر مما يجب. كانت مريم لا تزال تطمئن على ابنها. وصلت سيارة الإسعاف، وأسرع المسعفون للتعامل مع الحالة. وفي أثناء إسعاف يوسف، تصفحت ورقة أخرى. حينها رأيت شيئاً جعلني أتعامى عن كل ما يدور في الشارع. لم يكن إشعار الإخلاء هو الوثيقة الوحيدة. كانت هناك مطالبات بدَيْن باسم مريم، بمبلغ 250,000 درهم. السبب: قرض شخصي مضمون بأصول شخصية وحقوق مستحقة من وثيقة تأمين. نظرت إليّ وقالت: — أنا لم أطلب أي قرض قط! تراجع الرجل ذو المعطف خطوة إلى الخلف. رفعت الورقة: — إذن هناك من يحاول سلبك ما هو أكبر بكثير من مجرد شقة. اصفرّ وجه مريم: — أي وثيقة تأمين؟ لم يجُب الرجل، لكني عثرت على الرقم واسم المؤمن عليه. لم يكن باسم مريم. بل باسم زوجها المتوفى. نظرت إليها مجدداً: — هل توفي زوجك منذ أقل من سنة؟ امتلات عيناها بالدموع: — منذ ثمانية أشهر. — حادث؟ أومأت برأسها. بدأ الرجل ذو المعطف بالانسحاب، لكن سائقي وقف في طريقه هذه المرة. نظرت مريم إلى وثيقة الدين، ثم إلى الاسم، وارتجفت شفتاها: — هذا غير ممكن... — ما هو؟ أشارت إلى التوقيع: — لأن هذا التوقيع ليس توقيعي. في تلك اللحظة صرخ المسعف: — يجب أن ننقل الطفل فوراً! هرعت مريم نحو سيارة الإسعاف، وقبل أن تصعد التفتت إليّ: — من أنت؟ — سليم العطار. تغيرت ملامح وجهها قليلاً. لقد سمعت الاسم من قبل، فالمدينة كلها تعرف هذا الاسم. — لماذا تساعدني؟ نظرت إلى الرجل ذي المعطف، ثم إلى وثيقة الدين، وإلى اسم أنور المرشدي. وشعرت في داخلي أن دخول هذه المرأة إلى محل الرهونات الخاص بي لم يكن سوى مصادفة... أما ما يدور حولها الآن، فليس فيه أي مصادفة على الإطلاق. — لأنني أعتقد أن هناك من كان يتوقع أن تكوني اليوم في غاية الألَم والارتباك بحيث لا تسألين أي سؤال. أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف. نظرت إلى الرجل ذي المعطف، وقلت: — الآن... حان دوري ودورك لنلتفت إلى هذا الحديث. ولأول مرة، توقف عن التظاهر بأنه مجرد موظف ينفذ الأوامر. همس بوجل: — سيد سليم... إذا تدَخلت في هذا الأمر، فلن يسكت المرشدي. ابتسمتُ وقلت: — هذا ما أرجوه تماماً. الجزء الثاني كان اسم الرجل بدر فؤاد. لم يكن محامياً، ولا مأمور تنفيذ، ولم يكن يعمل حتى بشكل مباشر لدى مالك العقار. كان جابي ديون... أحد أولئك الذين يعيشون على حواف القانون، ينفذون أموراً تبدو قانونية في ظاهرها ما دامت الأسئلة حولها غائبة. صعدنا إلى سيارتي. لم أهدده، فلم تكن هناك حاجة لذلك؛ إذ تكفلت سمعتي بنصف المهمة، وتكفل خياله بالباقي. قلت له: — ابدأ بالتحدث. نظر بدر نحو سيارة الإسعاف التي كانت تتوارى عن الأنظار: — أنا مجرد حامل للملف. — لا يهمني ما كنت تفعله "فقط". — الدين يعود لشركة "المرقاب للتمويل". — ومن متى تقوم شركة عقارية بالإقراض؟ — لا أعلم. — بل تعلم. ساد الصمت. — بدر... — هناك شركة أخرى. — ما اسمها؟ — "شركة الميناء للائتمان". كنت أعرفها؛ شركة صغيرة، عدائية، متخصصة في القروض عالية المخاطر. وسبق أن سمعت شائعات عن وثائق مشبوهة وعمليات تحصيل تحيط بها الشبهات. — والمرشدي؟ بلع بدر ريقه: — له حصة فيها. لم يفاجئني ذلك. — وهل وقّعت المرأة على شيء؟ — لم أكن موجوداً عند نشأة الدين. — ومن كان موجوداً؟ — رجل يدعى كامل ناصر. — وما صفته؟ — مدير حسابات في شركة "الميناء". — ولماذا ملاحقة أرملة معها طفل مريض؟ أغمض بدر عينيه: — لا أعلم. نظرت إليه: — بدأت هذه الإجابة تصيبني بالملل. — ما أعرفه هو أن القرض فُعّل بعد وفاة الزوج. كان هذا المعطى مهماً جداً. — وضح لي أكثر. — كانت هناك وثيقة تأمين. — رأيتها. — كان للزوج تأمين على الحياة. — بكم؟ — أظن بمليون درهم. — ومن المستفيد؟ — هي. — إذن لماذا تبيع هاتفها؟ صمت بدر. — هل قبضت المبلغ؟ — لا. — لماذا؟ — شركة التأمين تحتجز المبلغ. — والسبب؟ — نزاع قانوني. — ومن يطالب بالنزاع؟ نظر بدر مجدداً نحو النافذة: — أحد الدائنين... شركة "الميناء". أومأ برأسه تأكيداً. بدأت المخطط يتضح أمامي: أحدهم اصطنع ديناً باسم مريم، ثم ربطه بوثيقة تأمين زوجها. وطالما أن الشركة تحتجز المبلغ لحين البت في النزاع، فلن تحصل على فلس واحد. وبدون المال، عجزت عن دفع الإيجار، وتلا ذلك الإخلاء، ثم اضطرت لبيع هاتفها فشردت بلا دواء... الانهيار جرى ببطء محبوك ليبدو وكأنه سوء حظ مجرد. سألته: — ماذا يريدون؟ — لا أعلم. وهذه المرة صدقته. — أين أجد كامل ناصر؟ — في المقطع. — أعطني العنوان. أعطاني العنوان، فاتصلت بمحاميتي مي جابر. لم تكن مي جزءاً من عالمي غير المصرّح به، ولهذا السبب تحديداً كانت مفيدة لي. قضت خمسة عشر عاماً في القضايا المالية وكانت تمقت اتصالاتي المفاجئة. — سليم. — أريدكِ أن تفحصي ديناً. — خاصاً بك؟ — لا. — إذن قل لي إنك لم تخطف أحداً للتحصل على هذه الأوراق. نظرت إلى بدر: — لم أخطف أحداً. رفع بدر حاجبيه بدهشة. — سليم... — سأرسل لكِ الصور. — من الضحية؟ — أرملة. — ولماذا تهتم؟ — ابنها كاد يتوقف عن التنفس في الشارع. ساد الصمت، ثم تغيرت نبرة مي: — أرسلها لي. فعلت ذلك. — وافحصي سجلات "شركة الميناء للائتمان". — هذا سيستغرق... — الآن. — لا توزع عليّ الأوامر. — من فضلك. صمتت قليلاً ثم قالت: — نعم، هذا الأسلوب أجدى. وأغلقت الخط. تركت بدر مع أحد رجالي كي لا "ينسى" أين يمكنني العثور عليه، وتوجهت إلى المستشفى. لم أدخل الغرفة، فلم يكن لي حق في ذلك، بل انتظرت في الممر حتى سألتني إحدى الممرضات: — هل أنت من أقارب الطفل يوسف الخالد؟ — لا. — إذن لا يمكنني إعطاؤك معلومات. — صحيح. فاجأها ردي. — أنا بانتظار والدته. — يمكنك الجلوس إذن. وبالفعل جلست. بعد ساعة خرجت مريم. كانت تبدو ممتلئة بالتعب، لكن ملامح الاستسلام اختفت. — حالته استقرت. — الحمد لله. — أعطوه تبخيرة ومقويات. أومأتُ برأسي: — بخاخ الربو مدفوع الثمن. تصلبت نظراتها: — لا أريد أن أكون مدينة لك بشيء. — أنتِ لستِ مدينة لي. — لا يوجد مال مجاني. — أحياناً يوجد. — ليس في عالم رجل يُدعى سليم العطار. ابتسمتُ لقولها: — يبدو أنكِ سمعتِ عني. — عشت في العاصمة طوال حياتي. — إذن تعلمين أيضاً أنه لو كنت أريد التقاضي منكِ لما اشتريت لكِ دواءً. — لا أعلم ماذا تريد. — أريد معلومات. — عن ماذا؟ — عن زوجك. تغيرت ملامحها فوراً: — لا. — مريم... — قلت لك لا. وقفت قائلة: — زوجي توفي، ولن أجعله طرفاً في أي... — هناك من استخدم وثيقة تأمينه لإنشاء دين باسمك. تسمرت في مكانها: — ماذا؟ — التوقيع يبدو مزوراً. — هو مزور بالفعل! — هل كان زوجك يعاني من مشاكل مالية؟ — لا. — ديون؟ — بطاقة ائتمانية واحدة فقط. — تجارة؟ — لا. — مراهنات؟ — لا. — أعداء؟ — كان فني صيانة في الميناء. هنا انتبهتُ لشيء: — أي ميناء؟ — ميناء زايد. الشركة ذاتها التي يحاول أنور المرشدي السيطرة عليها منذ سنوات! — ماذا كان يعمل بالتحديد؟ — صيانة الكهرباء. — ورديات ليلية؟ — أحياناً. — وأين توفي؟ بدأت مريم تشكك في أسئلتي: — ولماذا يهمك هذا؟ — لأنني أعرف الميناء جيداً. — الجميع يعرف الميناء. — لكني أعرف ما يدور خلف كواليسه. ساد الصمت ثم قالت: — توفي في حادث سير على الطريق أثناء عودته من العمل. — بمفرده؟ — نعم. — بسيارة العمل؟ — بل بسيارته الخاصة. — وهل جرى تحقيق؟ — الشرطة قالت إنه فقد السيطرة بسبب انزلاق الطريق. — هل كان المطر يشتد؟ — نعم. — وهل أخبركِ يوماً بأنه يواجه مشاكل في عمله؟ جلست مريم وقالت: — قبل وفاته بأسبوعين كان متوتراً وغريباً. — كيف؟ — كان يعاني من الأرق. — هل كان خائفاً؟ — ربما. — هل ذكر لكِ أسماءً؟ — لا. — وثائق؟ — لا. ثم تفكرت وقالت: — في إحدى الليالي سألني أين نحفظ أوراقنا المهمة. — وبماذا أجبته؟ — في صندوق معدني داخل الخزانة. — وهل ما زال الصندوق هناك؟ انخطف لون وجهها: — لا أعلم. — كيف؟ — بعد وفاته، تعرضت الشقة للفتش والبعثرة. — من قبل الشرطة؟ — لا. — فمن إذن؟ — ظننتهم لصوصاً. كان هذا يتطابق تماماً مع الصورة. — وما الذي أخذوه؟ — لا شيء تقريباً. — أوراق؟ — لا أعلم. — والصندوق؟ أغمضت مريم عينها: — الصندوق اختفى. ساد الصمت. — ماذا كان بداخله؟ — عقد الزواج، صور من التأمين، أوراق السيارة. — وهل كان فيه شيء يخص عمله؟ — ليس حسب علمي. — وحدة تخزين USB مثلاً؟ نظرت إليّ متعجبة: — لماذا تسأل عن هذا؟ — لأنه إن كان هناك من اقتحم الشقة بعد وفاته ليأخذ صندوق الأوراق، فهو كان يبحث عن شيء محدد جداً. بدأت مريم ترتجف: — لا أريد الخوض في هذا. — أعلم. — أريد فقط أن يتنفس ابني. — أعلم. — وأريد أن أعمل. — أين؟ — كنت أنظف المكاتب ليلاً. — والسابق؟ — طُردت قبل ثلاثة أسابيع. — لماذا؟ — لأنني غبت يومين عندما كان يوسف في الطوارئ. أغمضت عينها وقالت: — كل شيء بدأ ينهار دفعة واحدة. — وهذا بالتحديد ما يثير قلقي. — ماذا تقصد؟ — ربما لم يبدأ بالانهيار تلقائياً... بل هناك من دفعه للانهيار. لم تقل مريم شيئاً. في تلك اللحظة اتصلت مي: — هناك مطبات يا سليم. — أخبريني. — "شركة الميناء للائتمان" تلاحقها ثماني قضايا مفتوحة وخمسة تسويات سرية خلال العام الماضي. — والسبب؟ — تحصيل تعسفي، وثائق غير قانونية، وتلاعب بالفوائد. — والمرشدي؟ — اسمه لا يظهر مباشرة. — لا يظهر أبداً كالعادة. — وهناك المزيد. — واصلي. — القرض المزعوم باسم مريم الخالد أُنشئ بعد تسعة أيام فقط من وفاة زوجها راشد. — راشد؟ — نعم... المبلغ الأصلي أربعون ألفاً، ثم أضيفت عليه رسوم وغرامات وفوائد ليصبح ثمانية وستين ألفاً (250,000 درهم). — والإيداع؟ — هنا المفاجأة. — ماذا؟ — لا يوجد أي أثر لإثبات تسليم المبلغ لمريم. أكد هذا ظنوني: — إذن هو دين وهمي. — على الأرجح. — ومن استلم المال؟ — أنا أتعقب أثره الآن. كانت مريم تنظر إليّ بوجل: — ماذا تقول؟ لخصتُ لها الأمر، فتغيرت ملامح وجهها... لم يكن ارتياحاً بل غضباً عارماً: — حُرِمْتُ من التأمين بسبب قرض لم أستلمه قط؟! — يبدو ذلك. — ومن فعل هذا؟ — لا أعلم بعد. — أريد أن أبلغ الشرطة! تفاجأتُ من شجاعتها: — ممتاز. — ولماذا تقول ممتاز؟ — لأن بعض الناس حين يخافون يفضلون غض البصر. — أنا قضيت ثمانية أشهر دون أن أنظر خلفي لأنني كنت مشغولة بتأمين طعام ابني! أصابتني كلماتها في مقتل: — لم أكن أنتقدكِ. — لكنها بدت كذلك. — معكِ حق. تأملتني وقالت: — لا تبدو رجلاً يعتاد قول هذه الكلمة. — لا أقولها كثيراً بالفعل. — ربما عليك أن تتدرب عليها. ابتسمتُ مجدداً: — ربما. وصلت الوثائق الأولى إلى الشرطة المالية في اليوم التالي. أصرت مي على إدارة الأمر بالطرائق القانونية المباشرة؛ لا اقتحامات للمكاتب، ولا تهديدات، ولا "حلول" على طريقتي الخاصة. قالت لي: "إن أردت مساعدتها بحق، فدع الق\ضية تسير بنقاء". أجبتها: "أنا أعرف كيف أعمل بنقاء". فردت: "هذا بالضبط ما يقوله من لا يعرف العمل النقي!". عادت مريم إلى شقتها القديمة فقط لجمع أغراضها، بعد أن أوقفت مي إجراءات الإخلاء مؤقتاً لوجود ثغرات قانونية. لا يعني هذا إلغاء الإيجار، بل يمنع المالك من رمي حاجياتها في الشارع. عرضتُ أن أدفع الإيجار، لكن مريم رفضت: — سيخرجونك في النهاية. — سأجد حلاً. — لديك طفل يعاني من الربو الحاد! — وسأظل أمه. — لم أقل عكس ذلك. — إذن توقف عن التصرف وكأنني لا أملك حق القرار! جعلتني جملتها أتوقف ملياً: — ماذا تريدين إذن؟ — مهلة. — كم؟ — أسبوعاً واحداً. — ولماذا؟ — لأجد غرفة وعملاً وأحل مسألة التأمين. — هذا لن يتم في أسبوع! — إذن سأكون أنا من فشل. — هذا سخف. — لا... بل هذا حقي. أدركتُ حينها أمراً؛ لطالما سميتُ مصادرة خيارات الآخرين "حماية". إن كان أحدهم مديناً كنت أدفع عنه وأقرر عنه، وإن كان يواجه خطراً أبعده بنفسي. لكن مريم لم تكن تريد أن تعامل كأداة يتم تحريكها. فاتفقنا: سأدفع تكلفة سبع ليالٍ في فندق بسيط قريب من المستشفى فقط لا غير. ولم تقبل إلا بعد أن جعلتني أوقع ورقة تثبت أن المبلغ ليس قرضاً! قلت لها: — هذا أمر مضحك. — أنت تعرف رجالاً خطرين، وأنا أعرف كيف تكون الفواتير! ألتقيت بيوسف في اليوم الثاني. كان جالساً على سرير الفندق وموصولاً بجهاز التبخير. سألني: — هل أنت من اشتريت لي الدواء؟ نظرت مريم إلينا، فقلت له: — نعم. — أمي تقول إننا يجب ألا نكون مدينين لأحد. — أمك أصلح الناس رأياً. — إذن لماذا دفعت؟ تفكرتُ قليلاً ثم قلت: — لأن التنفس لا ينبغي أن يكون مكافأة لمن يملك المال فقط. تقبل يوسف الإجابة وسأل: — هل أنت غني؟ — جداً. — أكثر من باتمان؟ — باتمان غني بشكل مفرط. — إذن لا. — لا. ضحك، ثم سأل ببرائه: — هل أنت رجل سيئ؟ تجمّدت مريم في مكانها، وكذلك أنا. — أحياناً تفوتني التصرفات الحسنة وأفعل أشياء سيئة. — أمي تقول إن الأشرار لا يبدون دائماً أشراراً. — أمك محقة مجدداً. نظر يوسف إلى أمه وقال: — هي دائماً على حق! — يبدو ذلك مرهقاً! ضحك الصبي، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها أنفاسه صافية دون خرير. لا أعلم لماذا اهتممتُ لأمره كل هذا الاهتمام... ربما لأن أخي الأصغر توفي وأنا في الحادية عشرة من عمري بمرض الصدر في الشتاء، إذ لم تكن أمي تملك تأميناً. لم أكن أتحدث عن ذلك قط، ليس لأنه سر، بل لأن هناك أموراً يتعلم المرء إغلاق الباب عليها. لكن مريم جعلتني أفتح ذلك الباب. بعد ثلاثة أيام عثرنا على أول خيط حقيقي: كان راشد قد صور عدة صناديق داخل الميناء قبل وفاته. لم تكن الصور في هاتفه، بل في حساب بريد إلكتروني قديم تذكرت مريم كلمة السر الخاصة به. فتحتُ الحساب، ووجدت أربع رسائل أرسلها لنفسه تحمل صوراً لحاويات، وأرقاماً، وباباً جانبياً، مع رسالة تقول: "إن حدث لي شيء، فراجعوا كشوفات الورديّة الثانية... ما يدخل لا يطابق ما يخرج". بكت مريم: — كان يعلم... كان يعلم أن هناك خطباً ما ولم يخبرني! — ربما كان يحاول حمايتكِ. فنظرت إليّ بغضب: — لا تقل ذلك! لا تجعل إخفاء الخطر عني نوعاً من الحب... كنتُ سأفضل أن أختار بنفسي ماذا أفعل. لم أجبها، لأنها كانت على حق، ولأنها كانت تصف بالضبط ما أفعله أنا مع الناس. عرضت مي الرسائل على المحققين، فكشفت الكشوفات عن تلاعب؛ إذ كان الميناء ينقل بضائع قانونية، لكن بعض الحاويات كانت تدخل بأوزان غير مطابقة وأختام مستبدلة. لم تكن تلك عمليتي، بل كانت عملية المرشدي. وهذا يفسر كيف ظهر اسم مريم في مطالبات الدين؛ فقد رأى راشد شيئاً ما وصوره، وبعد وفاته بحثوا عن أوراقه ولم يجدوا كل شيء، فكانوا بحاجة للسيطرة على الأرملة، ليس بقتلها بل بإبقائها مشغولة، فقيرة، ومستبعدة عن أي محامٍ. وكان الدين المزور الوسيلة المثالية. سألتني مريم: — وهل طردي من العمل كان بفعلهم أيضاً؟ أجابت مي: — لا نستطيع إثبات ذلك، قد تكون مصادفة. — والإخلاء؟ — البناء يتبع لشركة مرتبطة بالمرشدي. هنا شحب وجه مريم: — منذ متى؟ — اشتروه قبل ستة أشهر، بعد وفاة راشد. شعرتُ بغضب بارد... ليس لأن المرشدي اعتدى على نفوذي، بل لأنه بنى قفصاً حول امرأة لم تكن تعلم أنها محاصرة. سألتها: — ماذا تريدين أن تفعلي؟ — الذهاب إلى الشرطة، ثم الحصول على مستحقات التأمين. — هذا سيتطلب وقتاً. — سأنتظر. — والسكن؟ — وجدت شقة في المصفح. — هل هي آمنة؟ — أكثر من الشقة القديمة. — أحتاج لمبلغ التأمين الأولي... هل تدفعه لي كقرض؟ تفاجأتُ برغبتها أكثر مما لو كانت قد رفضت: — موافق. وقّعنا ورقة أخرى، حيث صاغت مي عقد قرض بدون فوائد يُسدد حين تستطيع مريم ذلك. قالت مي: "لم أظن يوماً أنني سأستخدم رخصتي لمثل هذا!" فردت مريم: "أما أنا فكنت أظن". وتآلفت المرأتان فوراً. بعد أسبوعين، اقتحم أحدهم شقة مريم الجديدة. لم يسرقوا التلفاز ولا المال، بل بحثوا عن الأوراق. حين وصلتُ كانت غاضبة: — لا أريد حراساً! — لم آخذ رأيكِ. تغيرت ملامحها، فتوقفتُ قائلاً: — آسف... أخطأتُ في التعبير. هل تقبلين بحارس واحد خارج الشقة؟ — واحد فقط. كان التفاوض معها صعباً لكنه ينتهي دائماً بنتيجة. تطورت الق\ضية؛ حاول كامل ناصر (مدير الحسابات) الهرب، لكن الشرطة ألقت القبض عليه. وافق على التعاون، وكشفت شهادته أن الديون المزورة كانت شبكة تستغل هويات الفئات المستضعفة لتغطية تحويلات ومطالبات تأمين. وتوقيع مريم تم نسخه من وثيقة مستشفى قديمة استخدمها راشد قبل سنوات. كان الهدف إرغام مريم على توقيع تسوية تتنازل فيها عن أي مطالبات مستقبليّة تخص زوجها، وهو المستند الذي كان بدر يحمله لها يوم الإخلاء. قالت مريم بصوت خافت: — لو أعطوني إياه في ذلك اليوم لكونتُ قد وقّعت على أي شيء... كان هذا هو أشد ما في الأمر قسوة؛ لم يكونوا بحاجة لخدعها بدقة، بل فقط لإرهاقها حتى تستسلم. اتصل بي أنور المرشدي بعد شهر: — سليم... أنت تتدخل في أمر لا يعنيك. — والدين المزور لم يكن يعني مريم أيضاً. — أنت لا تعرف القصة كاملة، راشد الخالد سرق أوراقاً. — بل صور ما رآه في عمله، وتوفي بعد ذلك بوقت قصير. — احذر يا سليم. — هل هذا تهديد؟ — نصيحة. — نصيحة سيئة. تنهد المرشدي: — المرأة لا تعني شيئاً! فغضبتُ بحق: — هذا بالضبط ما يظنه أمثالك دائماً. — لا تجعل منها ق\ضية رأي عام. — لن أخرج منها. أغلقت الخط. مرت الأيام وتطورت علاقتنا... انتقلنا من الحديث عن الق\ضية إلى أحاديث شخصية ببطء؛ عن القهوة، ويوسف، وعملها القديم، وأمي، وأخي المتوفى. أخبرتها عن أخي "سعود" في إحدى الليالي: — توفي وهو في الحادية عشرة... تأخرت أمي في أخذه للمستشفى يومين لعدم وجود المال. خفضت مريم بصرها: — لهذا السبب دفعت في الصيدلية... — لم أفكر بالأمر وقتها، لكن الجسد يتذكر قبل العقل. أخذت الق\ضية مجراها القانوني؛ أُغلقت شركة "الميناء"، وأحيل مسؤولوها للمحاكمة بتهم التزوير والاحتيال، وتلقى المرشدي استدعاءات رسمية. أما حادث وفاة راشد ففتح فيه تحقيق مستقل بعد ثبوت وجود تلاعب في مكابح سيارته قبل الحادث. صُرف مبلغ التأمين أخيراً (250,000 درهم)، فأتت مريم وسددت لي مبلغ القرض كاملاً. أخذتُ الشيك ولم أصرّفه لمدة أسبوع حتى اتصلت بي غاضبة: "صرفه يا سليم!"، فصرفته لأن الأمر كان يعني لها الكرامة والاستقلالية. استخدمت مريم جزءاً من المال لترسخ دراستها في إدارة البرامج الصحية، لتساعد العائلات في التعامل مع شركات التأمين ودعم الأدوية. وتحسنت حالة يوسف مع العلاج والمتابعة المنتظمة. بدأتُ بتصفية أعمالي غير المباشرة الشائكة، وأعدت هيكلة شركاتي لتكون ناصعة ونظيفة، مسجلاً شركات رسمية بإشراف قانوني كامل من مي، لا لأصبح قديساً، بل لأبني بيئة لا يضطر فيها يوسف لتعلم الأسماء التي يجب حذرها. بعد سنتين، زرنا محل الرهونات ذاته... سأل يوسف (وكان في الثامنة): — هل هنا بعتِ الهاتف القديم؟ — نعم. — وهل تبعكِ عمي سليم؟ قالت مريم وهي تنظر إليّ: — يبدو الأمر مريباً حين تقوله هكذا! ابتسمتُ، وقال الموظف الجديد: — سيد سليم، السياسة ما زالت قائمة. فسألت مريم: — أي سياسة؟ أجاب الموظف: — إن جاء أحد يبيع شيئاً لطارئ صحي، نتصل بصندوق الدعم قبل تقديم أي عرض. نظرت مريم إليّ: — صندوق الدعم؟ — هو ليس لي بفرادي، بل مشاركة من التجار. الصندوق أُطلق عليه اسم "نَفَس"؛ يغطي الحالات الطارئة للإنقاذ السريع ويصل العائلات بالدعم القانوني، لكي لا يضطر أحد لبيع أخر ما يملك ليشتري دواءً ثم يكتشف أن ذلك لم يكن كافياً. تولّت مريم إدارته بشرط ألا أتدخل شخصياً في اختيار الحالات كي لا أحول الأمر إلى مسألة نفوذ. وفي يوم من الأيام، أثناء وجودنا في المطبخ، قالت مريم ببساطة: — أظن أنه ينبغي لنا أن نتزوج. فنظرتُ إليها مبهوتاً: — ماذا؟ لقد كانت لدي خطة! خاتم وعشاء... فقالت: "هل تريد الزواج أم إدارة عملية؟" ليقول يوسف من خلفنا: "وافق يا عمي!" تزوجنا في حفل بسيط اقتصر على المقربين ومي وأمي وبعض المعارف. وبعد عام من زواجنا، بينما كان يوسف يبحث عن أغراضه، ناداني فجأة: — أبي... لا أجد بخاخ الربو. تسمرتُ في مكاني، ونظرت إليّ مريم من المطبخ بابتسامة. قلت له بصوت ثابت: — تجده في الجيب الجانبي للحقيبة. فجعلني ذلك أسترجع ذكرى الهاتف الأول... شاشته المكسورة، والستمائة درهم. علمتني مريم أن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة على الآخرين أو إملاء الخيارات عليهم، بل في منحهم القدرة على الاختيار بأنفسهم. وما زلت أحتفظ بذلك الهاتف القديم في صندوقي، لا لاستخدامه، بل لأتذكر دائماً تلك اللحظة التي لم تطلب فيها مريم أن ينقذها أحد، بل سعت بنفسها لحماية ابنها... ولأتذكر كيف غيّر وجودهما طريقة تنفسي للحياة. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد