الرجل المدفون حيا – محمد نور

طيلة ثلاث سنوات اتهموني بالجنون لأنني أزور قبر زوجي… حتى قال طفل: «هذا الرجل لا يزال حياً، إنه يعيش في بيتنا!»

 

«عمي لم يمت بعد… إنه يعيش مع جدتي، وكلما سمع اسم “باسم” يختبئ فوراً.»

 

تجمّدت مريم في مكانها أمام شاهد القبر.

 

كانت يدها اليسرى تمسك باقة من الياسمين الأبيض، بينما كانت أصابع يدها اليمنى تقبض بقوة على ملف يحتوي على عقد زواج مليء بالشروط، لم يبقَ أمامها سوى ستة أيام لتوقيعه.

 

طيلة السنوات الثلاث الماضية، عرفها أهل الإسكندرية كأرملة عنيدة فقدت صوابها لأنها لم تستطع تقبّل موت زوجها أمير.

 

كان أمير المدير التنفيذي لشركة «السيّار» للملاحة، وهي شركة عائلية تملك عدداً من سفن شحن البضائع.

 

وفي ليلة 22 أغسطس 2022، اندلع حريق هائل في يخته الخاص بالقرب من الساحل.

 

لم يُعثر على جثته.

 

كل ما وجده فريق الإنقاذ كان إبزيم حزام، وقطعة ممزقة من قميصه، وساعته المحترقة.

 

رفضت مريم التوقيع على شهادة وفاته.

 

لكن حماتها إلهام أقامت له قبراً رمزياً، ثم بدأت تنشر بين الناس أن الحزن أفقد مريم عقلها، وأنها ترفض الاعتراف بحقيقة موت زوجها.

 

وبعد اختفاء أمير بفترة قصيرة، تولى أخوه غير الشقيق باسم إدارة الشركة.

 

ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر اختلاسات وثغرات مالية، وتجمّدت القروض البنكية، وأصبحت الشركة مهددة بالانهيار.

 

وسط تلك الفوضى، قدّمت إلهام لمريم «الحل» الوحيد، على حد قولها.

 

أن تتزوج شريف، صاحب أكبر شركة منافسة لهم، مقابل أن تتخلى عن كل ما يتعلق بالماضي.

 

لكن عقد الزواج لم يكن زواجاً عادياً.

 

ففي بنوده شروط تمنح شريف صلاحية التحكم في أسهم مريم.

 

تظاهرت مريم بالموافقة، فقط لتكسب الوقت.

 

وقبل أسبوع واحد من موعد الزفاف، أخذت الملف معها، وطلبت مهلة يوم واحد فقط لتذهب إلى قبر أمير.

 

في تلك الصبيحة، كان رذاذ المطر يتساقط بهدوء فوق المقبرة.

 

وقفت مريم أمام الشاهد، ومسحت قطرات الماء عن صورة أمير، ثم وضعت باقة الياسمين بجانب القبر.

 

في تلك اللحظة، اقترب منها طفل في العاشرة من عمره يُدعى زياد.

 

كانت عيناه معلقتين بقطع الحلوى التي وضعتها مريم بجوار القبر.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *