الرجل المدفون حيا – محمد نور
سألها إن كان يستطيع أخذ واحدة.
أومأت له بابتسامة شاحبة.
لكن ما إن وقعت عيناه على صورة أمير حتى تغيّر وجهه فجأة.
ارتجفت يده، وسقطت قطعة الحلوى من بين أصابعه.
ثم قال بصوت مرتجف:
— هذا… «العم تسعة»!
شعرت مريم بقلبها يتوقف.
— ماذا قلت؟
أشار زياد إلى صورة أمير.
— هذا هو العم تسعة… وجدته جدتي قرب غابات المانغروف. هو لا يتذكر اسمه، وكان يرتدي قميصاً عليه الرقم تسعة.
توقفت أنفاس مريم.
ثم أضاف الطفل:
— وعنده ندبة مثل الهلال على كتفه.
شحب وجهها.
كانت تعرف تلك الندبة جيداً.
ندبة أصيب بها أمير بعد حادث دراجته النارية في الجامعة.
لكن زياد لم يتوقف.
قال:
— وهو يرفض أن يتخلص من ساعة يد محترقة ومعطلة.
تسمّرت مريم في مكانها.
ثم انحنت نحوه وسألته بصوت مرتجف:
— وهل… يتكلم وهو نائم؟
هزّ زياد رأسه.
— كثيراً.
ابتلعت مريم ريقها.
— وماذا يقول؟
ضم الطفل شفتيه، ثم قال:
— أحياناً ينادي باسم «مريم»…
توقفت مريم عن التنفس.
ثم تابع:
— وأحياناً يصرخ وهو خائف: «لا تفعل يا باسم… لا تلقِ بي في البحر!»
تجمّد الدم في عروقها.
ثلاث سنوات كاملة وهم يقنعونها أن أمير مات في حادث.
ثلاث سنوات كاملة وهم يصفونها بالمجنونة لأنها رفضت تصديق موته.
وبينما كانت هي تعيش على ذكراه، كان باسم يسيطر على الشركة ويعيش حياته كأن شيئاً لم يحدث.
أغلقت مريم الملف فوراً.
ثم أمسكت بيد زياد وقالت:
— زياد… هل تستطيع أن تأخذني إليه؟
تردد الطفل.
فجثت مريم أمامه، ونظرت في عينيه وقالت:
— أعدك أنني لن أؤذيه.
أومأ زياد.
ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم تكن خطوات مريم خطوات امرأة ذاهبة لزيارة قبر زوجها…
بل خطوات امرأة تسير نحو الحقيقة التي أخفيت عنها عمداً.
لكن قبل أن يصلا إلى بوابة المقبرة، توقفت مريم فجأة.
كانت هناك سيارة سوداء متوقفة في الجهة المقابلة.
انخفض زجاج نافذتها الخلفية ببطء.
كانت إلهام تجلس في الداخل.
لم تبتسم.
لم تلوّح.
فقط حدّقت في مريم طويلاً، ثم نقلت عينيها إلى زياد.