الرجل المدفون حيا – محمد نور
توقفت مريم.
سمع الرجل وقع خطواتها، فرفع رأسه والتفت.
ولثوانٍ طويلة…
لم يتحرك أي منهما.
لم تستطع مريم حتى إخراج صوتها.
نعم، تغيرت ملامحه.
أصبح وجهه أكثر تعباً، وأكثر قسوة، وبدت عليه سنوات الألم التي لم تعشها معه.
لكنها عرفت فكه.
عرفت عينيه.
وعرفت حتى طريقته في رفع حاجبه عندما يحتار.
خرجت الكلمة من شفتيها بصعوبة:
— أمير…
سقطت شبكة الصيد من يده.
تشنج جسده بالكامل.
نظر إليها بذعر وغربة.
— من أنتِ؟
كان هذا السؤال أشد إيلاماً لمريم من أي قبر فارغ.
تقدمت خطوة.
فتراجع هو إلى الخلف بسرعة.
— لا تقتربي!
انهمرت دموع مريم دون صوت.
— أنا مريم…
حدق فيها طويلاً.
— مريم…
خرج الاسم من بين شفتيه كقطعة مكسورة من ذاكرة بعيدة.
بدأت يداه ترتجفان.
— أنا زوجتك.
وضع أمير يديه على رأسه وضغط عليه بقوة.
وفجأة، بدأت صور متقطعة تعصف بعقله كوميض خاطف.
سفينة…
نيران…
رائحة وقود…
صوت يصرخ…
ثم وجه أخيه…
باسم!
تعثر أمير إلى الخلف وهو يصرخ:
— لا تفعل يا باسم… لا!
اقتربت مريم منه بحذر، محاولة تهدئته.
وفي تلك اللحظة، شد أمير قميصه إلى أعلى وهو يحاول تغطية رأسه، فظهرت على كتفه الأيمن الندبة الشهيرة التي تشبه الهلال.
شهقت مريم.
ثم بكت.
لم يعد هناك شك.
أمير كان حياً.
زوجها الذي ظنت أنه مات منذ ثلاث سنوات كان يقف أمامها الآن.
لكن تلك اللحظة لم تدم سوى دقائق.
فجأة، دوّى صوت محركات سيارات قوية أمام المنزل.
ركضت صالحة إلى الخارج وهي تصرخ:
— هناك سيارات وصلت!
خرجت مريم مسرعة.
توقفت في مكانها عندما رأت سيارتين سوداويين من طراز الدفع الرباعي تقفان أمام المنزل.
نزل منهما أربعة رجال ضخام البنية.
ثم ظهرت خلفهما السيارة السوداء نفسها التي كانت متوقفة أمام المقبرة.
نزلت إلهام.
لكنها لم تكن وحدها.
نزل باسم من الجهة الأخرى.
نظرت مريم إلى وجه أخي زوجها.
لم تبدُ عليه أي مفاجأة عندما رأى أمير حياً.