الرجل المدفون حيا – محمد نور

 

وفي تلك اللحظة، رأت مريم على وجه حماتها شيئاً لم تره طوال السنوات الماضية…

 

الخوف.

الجزء الثاني: الرجل الذي دُفن حياً… والحقيقة التي أخفاها الجميع عن مريم

 

لم تتحرك مريم من مكانها.

 

وقفت تحت رذاذ المطر المتساقط بغزارة، تدس الملف تحت ذراعها بإحدى يديها، بينما كانت يدها الأخرى تشد زياد خلف ظهرها، وكأنها تحاول أن تحميه بجسدها من كل ما بدأ يتكشف أمامها.

 

على الطرف الآخر من الشارع، كانت إلهام لا تزال جالسة داخل السيارة السوداء.

 

لكن نظراتها لم تكن نظرات حماة قلقة على كنة مكسورة الفؤاد.

 

كانت نظرات امرأة رأت لتوها سراً دفنته لثلاث سنوات كاملة يخرج فجأة من تحت التراب.

 

انحنت مريم قليلاً نحو زياد وقالت بصوت خافت:

 

— زياد، استمع إليّ جيداً… لا تذهب إلى بيتك من الطريق المعتاد.

 

ظهر الذهول على وجه الصغير.

 

— لماذا يا خالة؟

 

— اتصل بجدتك الآن، وأخبرها أننا سنلتقي في مكان آخر… وإياك أن تذكر موقع منزلكم.

 

نظر زياد إلى السيارة السوداء الراسية في الشارع.

 

وكأن عقله الصغير أدرك فجأة أن اللعبة التي لا يفهم أبعادها أصبحت أخطر بكثير مما كان يتخيل.

 

أخرجت مريم هاتفها واتصلت بسيارة أجرة، وطلبت من السائق أن ينتظرها عند البوابة الخلفية للمقبرة.

 

ثم أمسكت يد زياد واستدارت لتغادر.

 

لكن صوت إلهام الحاد شق هدوء المكان من خلفها:

 

— مريم!

 

توقفت مريم.

 

كانت إلهام قد نزلت من السيارة، وتقدمت نحوهما بخطوات سريعة دون أن تحمل مظلة.

 

تركت المطر يبلل شعرها المصفف وبذلتها الفاخرة، وكأنها لم تعد تهتم بمظهرها على الإطلاق.

 

قالت بحدة:

 

— إلى أين أنتِ ذاهبة؟

 

التفتت إليها مريم ببطء.

 

— لماذا تلاحقينني يا خالتي؟

 

تجاهلت إلهام سؤالها، وسألت فوراً:

 

— من هذا الطفل؟

 

كان سؤالها مباغتاً وسريعاً.

 

لم تسألها لماذا جاءت إلى المقبرة، ولم تسألها إلى أين تذهب، ولم تحاول حتى تبرير وجودها في المكان.

 

كان شغلها الشاغل سؤالاً واحداً فقط:

 

من هذا الطفل؟

 

ابتسمت مريم ابتسامة باهتة.

 

— طفل يحب الحلوى.

 

تشنج وجه إلهام.

 

— لا تلعبي معي يا مريم!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *