الرجل المدفون حيا – محمد نور
أشار الطفل إلى مريم.
— جدتي… هذه الخالة مريم.
تطلعت المرأة العجوز إلى مريم طويلاً.
ثم قالت:
— مريم؟
كان في نبرة صوتها شيء جعل قلب مريم يخفق بعنف.
وكأن الاسم يحمل في ذاكرتها صدى تعرفه.
قالت مريم:
— أنا أبحث عن رجل يعيش هنا.
تغيرت ملامح المرأة فوراً، ومدت يدها محاولة إغلاق الباب.
— ليس لدينا أحد!
لكن زياد قال ببراءة:
— جدتي… الخالة مريم هي زوجة «العم تسعة».
ساد صمت تام.
أغمضت العجوز عينيها لثوانٍ، ثم فتحت الباب على اتساعه.
— ادخلي.
كان اسمها صالحة.
جلست مريم أمامها، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
وبدأت صالحة تحكي.
قبل ثلاث سنوات، عثر زوجها الراحل على رجل ملقى في الطين قرب الملاحة.
كان جسده مليئاً بالحروق والكدمات، وكانت عدة أضلاع في صدره مكسورة.
نقلوه بقارب صيد إلى عيادة صغيرة.
وقال لهم الأطباء إن إصابته في الرأس شديدة لدرجة أنه لا يتذكر حتى اسمه.
سألتها مريم بنبرة محترقة:
— لماذا لم تبلغوا الشرطة؟
تنهدت صالحة، ثم فتحت درجاً خشبياً وأخرجت ملفاً بلاستيكياً يحتوي على صورة لتقرير قديم.
— أبلغنا الشرطة بعد يومين… لكن بعد ثلاثة أيام جاءنا رجلان إلى البيت.
عقدت مريم حاجبيها.
— من هما؟
— قالا إن هذا الرجل فارّ من قضايا اختلاس كبيرة، وإننا إذا أخفيناه فسنسجن معه.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— أتيا بسيارة رسمية تابعة لشركة… شركة «السيّار».
سرت برودة قاسية في جسد مريم.
— وماذا فعلتم؟
قالت صالحة:
— ارتاب زوجي في أمرهما، فنقله إلى بيت أقاربنا في منطقة بعيدة لعدة أشهر. وبعد وفاة زوجي… عاد ليعيش معنا هنا.
شعرت مريم بأن الكلمات تكاد تخنقها.
— أين هو الآن؟
أشارت صالحة إلى باب خلفي.
— في البستان.
وقفت مريم.
ثم اتجهت نحو الباب.
كانت كل خطوة تخطوها أثقل من جبل.
—
خرجت إلى البستان.
تحت شجرة مانجو عتيقة، كان رجل يجلس على كرسي خشبي، منشغلاً بترميم شبكة صيد.
كان أطول وأنحف بكثير مما تتذكره قبل ثلاث سنوات.
شعره متدلي، وعلى جانب عنقه ندبة حرق قديمة.