رسائل الصندوق الازرق
## صدى الصمت.. ورسائل الصندوق الأزرق
في قاعة المحكمة، أقسم زوجي غلظاً أنني لم أحب أولاده يوماً. وفي تلك اللحظة بالذات، وقفت ابنته ذات الاثني عشر عاماً، وفي عنقها مفتاح صغير يلمع، وقالت بنبرة جمدت الدماء في العروق: «إذن، اليوم هو اليوم الموعود لنفتح الصندوق».
اسمي **إلهام**.
كنت في السادسة والعشرين من عمري عندما تزوجت من **فارس**، رجل أرمل في الثامنة والثلاثين، لديه طفلان وبيت يلفه صمت خانق في ضواحي المدينة.
زوجته الأولى، **مريم**، توفيت إثر جلطة دماغية مفاجئة قبل عامين من لقائنا.
كانت **ليان** في الخامسة من عمرها، وكان **نوح** في الثالثة.
عندما قابلتهم لأول مرة، كنت أعمل مربية في روضة أطفال. لم أكن أنتمي لعائلة ثرية، ولم أملك شهادات مرموقة، ولا بيتاً باسمي. كل ما كنت أملكه هو يدان صبورتان، وصوت دافئ، واعتياد على مواساة الأطفال الذين يبكون دون أن يعرفوا كيف يصفون حزنهم.
استأجرني **فارس** في البداية كجليسة أطفال في المنزل.
قال لي حينها: «لبضعة أشهر فقط، حتى يستعيد الأطفال توازنهم».
كانت **ليان** لا تكاد تتكلم.
أما **نوح**، فكان ينام تحت طاولة الصالون، ينام وهو يضغط شال أمه الراحلة بين يديه الصغيرتين.
كنت أعد الوجبات، وأقرأ القصص، وأنظف ما تخلفه الكوابيس من فوضى، وأحتضن أجسادهم الصغيرة المرتجفة كلما ضربهم الشوق إلى **مريم** كموجة عاتية.
ذات مساء، ناداني **نوح** “ماما” عن غير قصد.
تسمر في مكانه، والرعب يملأ عينيه.
انحنيت أمامه على ركبتي وقلت له:
— «يمكنك أن تناديني بما يحتاجه قلبك يا بطل. هذا لا يسرق شيئاً من مكانة أمك مريم».
بكى على كتفي لعشرين دقيقة كاملة.
وكان **فارس** يراقبنا من عند عتبة الباب.
بعد شهرين، طلبني للزواج.
بلا زهور، وبلا وعود غرامية.
قال ببساطة: «الأطفال بحاجة إليكِ… وأنا أيضاً».
ظننت ذلك حباً.
ربما كان كذلك في البداية.
تزوجنا في المحكمة صباح يوم خميس. ارتدت **ليان** فستاناً أصفر، وانتعش **نوح** فردتي حذاء مختلفتين لأنه قال إن أمه في السماء سيعجبها ذلك.
وقعت على عقد الزواج بقلب يفيض بالفرح الغامر.
لكنني لم أوقع قط على أوراق التبني الرسمية.
كان **فارس** يقول دائماً: «في وقت لاحق، لا أريد أن أضغط على الأطفال».
ثم صار يقول: «عائلتي ليست مستعدة بعد».