رسائل الصندوق الازرق

أخرجت المحامية أظرفاً أخرى، كانت التواريخ ترسم حكاية حقيقية لا يمكن لأحد تزييفها؛ سنوات كاملة وتفاصيل دقيقة جداً: السن اللبنية الأولى التي سقطت لـ**ليان**، خوف **نوح** قبل عملية استئصال اللوزتين، اليوم الذي خلط فيه الأطفال صور **مريم** وصوري في إطار واحد، والليلة التي سألتني فيها **ليان**: «هل يحق لي أن تكون لي أمان؟ واحدة في السماء وواحدة في المطبخ؟»

كنت قد كتبتُ في تلك الليلة:

> «يحق لكِ أن تحبي بلا حساب. قلوب الأطفال ليست بيوتاً بغرفة واحدة، بل هي سماء شاسعة تتسع للجميع».

>

ساد الصمت في القاعة طويلاً، ثم سأل القاضي الأطفال إن كانوا يريدون التحدث.

حاول **فارس** الاعتراض قائلاً: «إنهم يتعرضون للتلاعب!»

لكن **ليان** انتصبت واثقة وقالت: «لا.. لقد سئمنا من أن يتحدث الآخرون نيابة عنا».

أذن لها القاضي بالكلام، فتقدمت. ورغم أنها لم تكن تتجاوز الثانية عشرة، إلا أنها بدت في ذلك اليوم أكثر نضجاً من كل البالغين في الغرفة.

قالت: «عندما ماتت أمي مريم، كنت أظن أنني إذا أحببتُ إلهام سأكون خائنة لأمي الحقيقية. لكن إلهام لم تطلب مني يوماً أن أختار، بل ساعدتني في صنع ألبوم صور لأمي مريم، وكانت تأخذني لزيارة قبرها عندما كان أبي يقول إنه مشغول جداً. علمتني أنه يمكنني قول “مامي” لشخصين دون أن أمحو أحداً».

ثم ارتعش صوتها وأردفت: «أبي يقول إنها تريد استخدامنا، لكنه هو من يستخدمنا الآن حتى لا يخسر أمام كاميليا».

رفعت **كاميليا** رأسها بذهول، وتمتم **فارس**: «ليان، اصمتي».

لكن القاضي حدج بنظرة صارمة وقال: «سيد فارس، اترك ابنتك تتحدث».

تقدم **نوح** بدوره، وكان في العاشرة من عمره، يضم ظرفاً إلى صدره: «أما أنا، فمعي رسالة لليوم الذي أشعر فيه بأنني عبء زائد».

فتح الظرف بنفسه بيدين صغيرتين ترتجفان، وقرأ بصعوبة:

> «نوح، أنت لست عبئاً زائداً أبداً، لا في هذا البيت ولا في قلبي. حتى في الأيام التي أكون فيها متعبة، أو الأيام التي يعلو فيها صوتي، أو الأيام التي أغلق فيها باب غرفتي لأتنفس لخمس دقائق. الكبار قد يصيبهم الإنهاك، لكن هذا لا يعني أبداً أن الأطفال حمل ثقيل».

>

توقف ومسح دموعه ثم وجه كلامه لأبيه: «أبي، عندما أخبرتنا بالأمس أن كاميليا ستنجب طفلاً وأن علينا التوقف عن إثارة المشاكل، شعرتُ حينها أنني عبء زائد».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *